بعد عقود من هيمنة النظريات العالمية.. مبتكر مصري يطرح مفهومًا جديدًا قد يعيد كتابة علم الجودة من الصفر

بعد عقود من هيمنة النظريات العالمية.. مبتكر مصري يطرح مفهومًا جديدًا قد يعيد كتابة علم الجودة من الصفر

​تقديم الكاتب والباحث القانوني: عثمان الشويخ

​الجمود هو المقبرة الحقيقية للأفكار، والدول التي لا تجدد دماء نظرياتها الإدارية والقانونية تظل أسيرة لمعادلات قديمة تجاوزها الزمن. ولأننا نعيش في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الحاجة باتت ملحة لصياغة عقل إداري جديد يواكب هذا التحول الشامل.
​ومن هذا المنطلق، يسعدني ويشرفني أن أقدم للقارئ العربي في جريدة الأنباء الدولية، قراءة في فكر ونظرية المبتكر والمتميز، مهندس الجودة هيثم عبد الغني المسلمي. وهو أحد العقول المصرية الشابة المضيئة التي رفعت راية التجديد، ليطرح من خلال هذا المقال تحولاً جذرياً في مفاهيم الإدارة الحديثة، وينقل علم الجودة من قوالبه التقليدية الجامدة إلى آفاق إنسانية استباقية أوسع وأعمق، معلناً عن ميلاد مدرسة فكرية مصرية قادرة على منافسة النظريات العالمية.
​الجودة الإنسانية الاستباقية.. مدرسة مصرية تنقل الفكر الإداري من "رضا العميل" إلى "جودة حياة الإنسان"

​بقلم م: هيثم عبد الغني المسلمي
​في خطوة قد تمثل تحولًا جذريًا في مفاهيم الإدارة الحديثة، يأتي تطوير المفهوم العلمي الجديد الذي يحمل اسم: "الجودة الإنسانية الاستباقية" Human Predictive Quality (HPQ)، وهو ابتكار يسعى إلى إعادة تعريف علم الجودة بصورة تتجاوز المفاهيم التقليدية التي استمرت لعقود طويلة، لتنتقل من التركيز المحدود على المنتج والخدمة إلى التركيز الشامل على الإنسان وجودة حياته ومستقبله.
​ويأتي هذا الطرح الإستراتيجي في وقت يشهد فيه العالم ثورة غير مسبوقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والتنبؤ السلوكي، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام ظهور جيل جديد من أنظمة الحوكمة والجودة القادرة على استباق الاحتياجات الإنسانية وصياغة الحلول قبل ظهور المشكلات على أرض الواقع.
​من إصلاح الأخطاء إلى التنبؤ بالمستقبل
​إن معظم مدارس الجودة العالمية التقليدية اعتمدت لعقود على مبدأ تحسين الأداء، وتقليل الأخطاء، وتحقيق رضا العملاء المستهلكين، إلا أن التحديات الحديثة وطبيعة الأزمات المتلاحقة تتطلب الانتقال إلى مرحلة أكثر عمقاً وأنسنة؛ فالجودة الحقيقية لا تتوقف عند حدود المعايير الجامدة أو حل المشكلات ومحاولة منعها بالطرق النمطية، بل تبدأ عندما نمتلك الأدوات العلمية للتنبؤ بها وقراءتها قبل أن يشعر بها الإنسان ويعاني من آثارها.
​ومن هنا نبعت فكرة "الجودة الإنسانية الاستباقية"، التي تعتمد بالأساس على توظيف البيانات التنبؤية وفهم احتياجات الأفراد والمجتمعات مسبقًا، والعمل على تلبية متطلباتهم الأساسية والرفاهية بصورة استباقية تضمن استقرار المجتمعات.
​معادلة جديدة قد تعيد صياغة الفكر الإداري
​ويقترح الابتكار المصري معادلة رقمية وفلسفية مختلفة تماماً عن المفاهيم السائدة في أدبيات الإدارة العالمية، لتصاغ كالتالي:
​جودة التنبؤ + جودة التنفيذ + جودة التأثير الإنساني = جودة الحياة
​وبموجب هذه المعادلة، يتغير معيار النجاح الحقيقي لأي مؤسسة، أو قطاع خدمي، أو نظام حكومي؛ ليصبح المقياس هو مدى القدرة على تحسين حياة الإنسان بشكل مباشر، مستدام، وملموس.
​خمسة أبعاد لمستقبل الجودة الإنسانية
​وتتمحور النظرية الجديدة حول خمسة أبعاد رئيسية تتكامل فيما بينها لرسم ملامح المستقبل:
​1- الجودة الغذائية: توفير الاحتياجات الأساسية والأمن الغذائي للمواطن بصورة ذكية، مستدامة، ومستبقة لخطوط العرض والطلب.
​2- الجودة الصحية: التنبؤ بالمخاطر والأوبئة والمشاكل الصحية قبل وقوعها، وتقليل آثارها الوقائية والعلاجية برؤية استباقية.
​3- الجودة الاجتماعية: تعزيز الاستقرار الأسري والمجتمعي، وضمان شبكات أمان اجتماعي تتكيف مع التغيرات الاقتصادية.
​4- الجودة الرقمية: تطوير خدمات حكومية ومجتمعية ذكية تتكيف مع متطلبات الأفراد في الوقت الحقيقي وبأقل جهد.
​5- الجودة البيئية: تحقيق التوازن الدقيق بين التنمية الاقتصادية المستهدفة والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
​نحو مؤشر عالمي جديد ومدرسة مصرية
​ويتضمن الابتكار مقترحاً طموحاً لإنشاء مؤشر دولي دوري يحمل اسم: مؤشر الجودة الإنسانية الاستباقية Human Predictive Quality Index (HPQI)، لقياس مدى قدرة المؤسسات والدول على تحسين جودة حياة مواطنيها من خلال دقة التنبؤ بالاحتياجات وتقديم الحلول الاستباقية.
​ويرى متخصصون في علم الإدارة أن هذا الربط المحكم بين أدوات الذكاء الاصطناعي وجودة حياة الإنسان يمثل أحد أهم الاتجاهات المستقبلية الواعدة عالميًا. والهدف الأساسي هو أن يكون هذا الابتكار النواة الحقيقية لتأسيس مدرسة مصرية وعربية حديثة في علم الجودة، تسهم بفعالية في تطوير الفكر الإداري العالمي خلال العقود القادمة، تحت شعار:
​"مستقبل الجودة لن يُقاس بعدد الأخطاء التي تم إصلاحها، بل بعدد المشكلات التي لم تحدث أصلًا."