​جريدة الأنباء الدولية باب: أقمار الطف

​جريدة الأنباء الدولية باب: أقمار الطف

​سلسلة أقمار الطف: أصحاب الإمام الحسين

​الحلقة السادسة: نافع بن هلال الجملي.. حارس الوفاء الذي أبى أن يروى قبل الحسين

​بقلم الكاتب والروائي: عثمان الشويخ

​تستمر رحلتنا في كشف كنوز الفداء، وفي كل محطة من محطات "أقمار الطف" نكتشف أن البطولة ليست مجرد سيف يُشهر، بل هي مواقف ثابتة تُحفر في ذاكرة الزمان. 

بطل حلقتنا السادسة هو الفارس الذي لم يكتفِ بنصرة إمامه بدمه، بل سبقه بقلبه وعقله، إنه نافع بن هلال الجملي المرادي، الذي سجل للتاريخ مشهداً لم يسبقه إليه أحد، مشهداً كان الماء فيه أغلى من الحياة، لكن الولاء كان أغلى من الماء.

​كان نافع بن هلال من وجوه أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وفارساً من فرسان الكوفة، وحاضراً معه حروبه الثلاث (الجمل، صفين، والنهروان)، لكن قلبه كان معلقاً براية الحسين. وحين التقى بالإمام في الطريق إلى كربلاء، أثبت وفاءه المطلق؛ فلما خطب الإمام أصحابه ليلة عاشوراء وأذن لهم بالانصراف، قام نافع ليعلنها مدوية: "واللهِ ما أشفَقنا مِن قَدَرِ الله ولا كَرِهْنا لقاءَ ربّنا، وإنّا على نيّاتِنا وبَصائرنا، نُوالي مَن والاك، ونُعادي مَن عاداك".

​ولم يكتفِ بذلك، بل تجلت عظمة روحه في جوف تلك الليلة حين تبع الإمام الحسين وهو يتفقد التلاع، فلما خشي عليه وطلب منه النجاة، أقبل نافع يتقبل قدمي الإمام قائلاً: "ثكلَتْني أُمّي! إنّ سيفي بألف، وفَرَسي بألف، فَوَاللهِ الذي مَنّ بك علَيّ، لا فارَقْتُك حتّى يَكِلاّ عن فَرْيٍ وجَرْي".

​اللحظة الأخلد في سيرته، هي تلك التي برز فيها نحو الفرات ليأتي بالماء لعيال الحسين في سرية قادها العباس عليه السلام، وعندما اقترب من النهر وأراد أن يغترف غرفة ليطفئ ظمأه، استذكر عطش الحسين وأطفاله، فانسحب الماء من بين يديه ليقول كلمته التي صارت دستوراً للموالين: "والله لا أشرب الماء والحسينُ وعياله عطاشى".

 لقد كان هذا الموقف أبلغ من كل قصائد الوفاء، ليقدّم درساً في أن النصرة مشاركة في الألم وتطهير للنفس.
​وفي ظهيرة عاشوراء، أبلى نافع بلاءً حسناً ورمى بنباله المسمومة وهو يرتجز في ساحة الوغى:
​أنـا الغـلامُ اليَمَنـيُّ الجَمَليْ
دِيني على دِينِ حسينٍ وعليْ
إنْ أُقتَـلِ اليـومَ فهـذا أملي
فذاك رأيـي وأُلاقـي عملي

​قاتل بسيفه حتى نفذت نباله وتكسرت يداه وأُسر جريحاً، مسيقاً إلى عمر بن سعد والشمر بن ذي الجوشن. وحين سأله عمر متهكماً، أجاب بكل ثبات وعزة نفس: "واللهِ لقد قَتَلتُ منكم اثنَي عَشَر رجلاً سوى مَن جَرَحتُ، وما ألوم نفسي على الجَهد، ولو بَقِيَتْ لي عَضُدٌ ما أسرَتُموني". ولما أقدم الشمر على قطف رأسه، خاطبه نافع بكلمات هزت الضمير: "أمّا واللهِ ـ يا شمرُ ـ لو كنتَ من المسلمين، لَعَظُم عليك أن تَلقى اللهَ بدمائنا! فالحمدُ لله الذي جَعَل مَنايانا على يَدَي شِرارِ خَلْقه".

​لقد رحل نافع، وبقيت قصته تروي للأجيال أن الوفاء ليس كلمة تقال، بل هو قطرة ماءٍ تُمنع عن الذات لتبقى حيةً في ضمير الأمة.

 إن نافع بن هلال الجملي لم يكن يقاتل من أجل نصرٍ مؤقت، بل كان يقاتل ليرفع سقف الإنسانية إلى عنان السماء، وليعلمنا أن الرجل الذي يرفض أن يروى قبل سيده، هو الرجل الذي لا يمكن أن يذل أمام أي سلطان.

​في ختام هذه الحلقة، بذلت قصارى جهدي لأقدم هذه السيرة نقية وبيضاء كما سطرتها يد التاريخ، تجنباً لأي لغط، فما كان فيها من توفيق فمن الله، وما كان من سهو أو تقصير فمني ومن الشيطان .

​انتظروني الأسبوع المقبل مع قمر جديد وبطولة منسية من سلسلة أقمار الطف، عبر جريدة الأنباء الدولية.. كونوا على الموعد.

​المراجع والمصادر التاريخية:
​تاريخ الطبري
​إبصار العين في نصر الحسين للشيخ محمد بن طاهر السماوي
​مقتل الحسين للخوارزمي
​أنصار الحسين للشيخ محمد مهدي شمس الدين