سلسلة أقمار الطف أصحاب الإمام الحسين

سلسلة أقمار الطف أصحاب الإمام الحسين

الحلقة الثالثة: زهير بن القين البجلي.. رحلة العودة من الشتات إلى رحاب النصرة

​بقلم الكاتب والروائي عثمان الشويخ

​أقمار الطف سلسلة أسبوعية تكشف بطولات أصحاب الحسين المنسيين خارج قيود التصنيف

​لم تكن الانتماءات المذهبية أو الموروثات السياسية في مسيرة كربلاء هي التي تحكم مسارات الرجال، بل كانت الفطرة السليمة والضمير الحي هما البوصلة الحقيقية التي قادت البعض إلى خيمة الحسين.

 وقصة بطل حلقتنا اليوم هي الأصدق دلالة على أن الحسين كان مغناطيساً يجذب الأرواح الحرة حتى من أبعد المسافات الفكرية، إنه زهير بن القين البجلي، شيخ قبيلة بجيلة الشريف في الكوفة.

​زُهَير بن القَين الأنماري البَجَليّ هو بطل حلقتنا، رجل شريف في قومه، مهاب وله تاريخ في الجندية، حيث تشير بعض المصادر إلى أن أباه كان صحابياً، وكان زهير بطلاً مجرباً شهد فتوحات إسلامية عدة، وكان ينظر إليه في الوسط الكوفي كرجل صاحب خبرة وبأس. لم يكن زهير في بداية أمره من شيعة الحسين، بل كان عثماني الهوى يتجنب لقاء الإمام أثناء سفره من مكة إلى العراق خشية أن يجمعهما لقاء يفرض عليه موقفاً لم يخطط له.

​نزلت الأقدار بالركب في منطقة تسمى "زرود" -وهو منزل في طريق الحجاج- حيث نزل الحسين عليه السلام، ونزل بالقرب منه زهير بن القين. كره زهير أن ينزل في مكان ينزل فيه الحسين، ولكن زوجته "دلهم بنت عمرو" كان لها رأي آخر حين دفعته للقاء الإمام قائلة: "أيبعث إليك الحسين بن فاطمة ثم لا تأتيه؟". ذهب زهير على كره، وما لبث أن عاد متهللاً مشرق الوجه، فأمر بفسطاطه فضُمَّ إلى ركب الإمام الحسين، ثم ودع زوجته وطلقها لتتمكن من العودة مع أهلها، فقد وطّن نفسه على الموت مع الحسين.
​تجلت مواقف زهير حين اعترض "الحر بن يزيد التميمي" طريق الركب -وهو القائد العسكري الذي أرسله عبيد الله بن زياد على رأس ألف مقاتل ليمنع الإمام من الوصول للكوفة- فتقدم زهير للحسين قائلاً: "بأبي وأمي يا ابن رسول الله، والله لو لم يأتنا غير هؤلاء لكان لنا فيهم كفاية، فهلم بنا نناجز هؤلاء، فإن قتالهم أيسر علينا من قتال من يأتينا من غيرهم". فرد عليه الإمام الحسين بصوته الهادئ: "ما كنت لأبدأهم بالقتال".
​وفي لحظة تاريخية مسجلة في "مقتل الحسين للخوارزمي" و"تاريخ الطبري"، عندما اقترب جيش الكوفة وأرادوا بدء القتال، وقف زهير بن القين أمام جيش عمر بن سعد مخاطباً إياهم: "يا أهل الكوفة، إني والله ما كتبت إليه برسالة، ولا أرسلت إليه رسولاً، ولا وعدته نصرتي، ولكنه الطريق جمع بيني وبينه، فلما رأيته ذكرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفت ما أنتم عليه، فقررت نصرته وأن أكون في حزبه، وأجعل نفسي دون نفسه".

​لم يكتفِ زهير بهذا، بل واجه الظلم بشجاعة، ففي صباح عاشوراء حين حاول شمر بن ذي الجوشن إسكاته بوقاحة، رد عليه زهير: "يا ابن البوال على عقبيه، ما إياك أخاطب إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين!". وعندما نادى عمر بن سعد بجيشه للزحف، خاطبهم زهير قائلاً: "أتقتلون ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتبعون ابن سمية وعبيد الله بن زياد؟".
​قاتل زهير يومها قتالاً لم يُر مثله، وظل يذود عن الحسين حتى سقط شهيداً. وعندما وصل إليه الإمام الحسين وقف عليه ونظر إليه نظرة المودع البطل وقال عبارته الخالدة التي خلدت زهيراً في سجل العظماء، كما أوردها ابن طاووس في "الملهوف": "لا يبعدنك الله يا زهير، ونعم الله عليك، ولعن الله قاتلك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير".
​إن قصة زهير ليست مجرد قصة بطل، بل هي درس لكل إنسان بأن باب الحق مفتوح دائماً مهما طالت المسافة. مات زهير ليقول لنا إن الانتماء الحقيقي ليس بما ورثناه عن آبائنا، بل بما نختاره بصدق في اللحظات الفاصلة، فصار قمراً من أقمار الطف.
​أمانة البحث والتدقيق: في ختام هذه الحلقة، أؤكد للقارئ أنني واصلت الجهد في أمهات الكتب لتقديم هذه السيرة نقية، فما كان من توفيق فمن الله، وما كان من سهو أو تقصير فمني. هدفنا أن نحيي معاً وعينا المنسي وننصف رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

​انتظروني الأسبوع المقبل مع قمر جديد وبطولة منسية من سلسلة أقمار الطف، عبر جريدة الأنباء الدولية.. كونوا على الموعد