​سلسلة أقمار الطف: أصحاب الإمام الحسين

​سلسلة أقمار الطف: أصحاب الإمام الحسين

​الحلقة السابعة: بُرَيْر بن خُضَيْر الهَمْداني.. سيد القراء الذي تلا آيات الفداء

​بقلم الكاتب والروائي: عثمان الشويخ

​في رحاب التاريخ، هناك رجالٌ لا تُحسب أعمارهم بالسنين، بل بالمواقف التي غيّروا بها مجرى الضمير الإنساني. وفي حلقتنا السابعة من "أقمار الطف"، نزيح الستار عن قامةٍ لم تكن يوماً عادية، قامة جمعت بين الوقار والبسالة، إنه "بُرَيْر بن خُضَيْر الهَمْداني". الرجل الذي كان لقبه "سيد القراء" في زمانه، ليس فقط لجمال صوته أو حفظه للمتن، بل لكونه كان قارئاً للحياة، فاهماً لمعنى العزة، متدبراً لآيات الفداء التي نطق بها بدمه حين عزّ الرجال.

​كان بُرَيْر من الوجوه البارزة في الكوفة، رجلاً زاهداً، ناسكاً، عرفه الناس في مساجدها كأستاذٍ يعلمهم كتاب الله، لكنه في الوقت ذاته كان فارساً صنديداً، خاض معارك كثيرة، وعرف معنى الولاء والمبدأ. وعندما لاحت في الأفق نذر الأزمة، وخرج الحسين بن عليّ (عليه السلام) في رحلته المصيرية، لم يكن بُرَيْر ممن يترددون، بل كان أول الملبين، متجاوزاً حسابات الخوف والتردد، وكأنه يكتب بقراره هذا فصلاً جديداً في سيرة الفرسان المؤمنين.

​من أجمل المشاهد التي تُروى عن بُرَيْر، تلك اللحظات في ليلة عاشوراء، حيث كانت القلوب تضطرب من هول الموقف. بينما كان البعض يراقب الترقب والقلق، كان بُرَيْر يمازح زميله عبد الرحمن الأنصاري بابتسامةٍ تملؤها الثقة. تعجب صديقه من حاله، فرد عليه بُرَيْر بتلك العبارة التي صارت عنواناً للإيمان المطمئن: "واللهِ ما أشفَقنا، وما أهلكنا أنفسنا، بل نحن مستبشرون بما نحن لاقون. والله ما بيننا وبين النعيم المقيم إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم، ولوددتُ أنهم فعلوا ذلك الآن". لم يكن هذا حديث رجلٍ يائس، بل حديث رجلٍ يرى في التضحية طهراً وفي الموت سبيلاً لخلود المبدأ.

​وفي ساحة الوغى، حين بدأ الصدام، لم يكتفِ بُرَيْر بشجاعة السيف، بل استخدم سلاح الحجة. خرج ليزيد بن معقل، في مشهدٍ يعكس ثبات الشخصية الواعية؛ تناظرا، ثم تباهلا، داعيين الله أن ينصر المحق على المبطل، فكانت ضربة بُرَيْر الحاسمة دليلاً على صدق مقصده. ورغم أنه تلقى طعنة غدر في ظهره، ظل يقاتل بضراوةِ من لا يعرف الهزيمة، حتى خرّ شهيداً.

​لم تقف حكايته عند لحظة رحيله، بل امتدت لتؤثر في كل من عرفه. حتى زوجة الرجل الذي كان سبباً في استشهاده، "النوار بنت جابر"، حين علمت بهوية بطلنا، لم تجد في قلبها متسعاً للصمت، فواجهت زوجها بكلماتٍ نابعة من ضميرٍ حي: "قتلتَ سيد القراء! قتلتَ الرجل الذي علمنا القرآن! لقد أتيتَ عظيماً من الأمر".

 كانت تلك الصرخة شهادةً من المجتمع على عظمة الرجل، قبل أن تكون شهادةً من التاريخ.

​كان بُرَيْر يرتجز وهو يواجه أعداءه بكلماتٍ لا تزال تتردد:
​أنَا بُرَيرٌ وأبي خُضَيرُ
لَيثٌ يَروعُ الأُسدَ عِندَ الزِّئرِ
يَعرِفُ فينَا الخَيرَ أهلُ الخَيرِ
أضرِبُكُم ولا أرى‌ مِن ضَيرِ
​رحل بُرَيْر بن خُضَيْر، لكنه ترك لنا درساً عميقاً: أن حامل القرآن الحق هو من يقرأ الآيات في المصحف، ويقرأ معاني الفداء في واقع الحياة. الرجل الذي يقاتل دفاعاً عن قيمه، لا يمكن أن يسقط، حتى وإن توارى جسده تحت الثرى.

​هكذا كان بُرَيْر، وهكذا تظل "أقمار الطف" تروي لنا قصص الرجال الذين جعلوا من مواقفهم منارةً لا تنطفئ. 

​انتظروني الأسبوع المقبل مع قمر جديد وبطولة منسية من سلسلة أقمار الطف، عبر جريدة الأنباء الدولية.. كونوا على الموعد.

​المراجع والمصادر التاريخية:

​مقتل الحسين للخوارزمي
​أنصار الحسين

 للشيخ محمد مهدي شمس الدين

​إبصار العين في أنصار الحسين للشيخ محمد بن طاهر السماوي