عن وهم الفوز والعودة الصاغرة للقمصان المهترئة

عن وهم الفوز والعودة الصاغرة للقمصان المهترئة


​بقلم عثمان الشويخ
​يولد الواحد منا في هذه البلاد وفي فمه ملعقة من ألومنيوم رخيص قُدِّر له أن يقضي نصف عمره يتأمل شروخ سقف الصالة والنصف الآخر في محاولة إقناع ياقة قميصه المهترئة بأن تصمد لغسلةٍ أُخرى نقضي الأسبوع بطوله نلعن بخل الأيام ونمشي في الشوارع نتأمل سيارات الأثرياء الفارهة بنظراتٍ تمزج بين الحسرة والاستغفار ناقمين على حظنا البائس وساخطين على كبار القوم الذين يملكون كل شيء المال والسلطة والراحة والقدرة على شراء المستقبل كأنه زجاجة مياه غازية مثلجة في ليلة صيف حارقة لا ترحم فقر الحال
​نحن الأغلبية الصامتة التي يشبه حالها ثوباً قديماً رُقِّع مائة مرة حياتنا سلسلة من المعارك الصغيرة مع الفواتير ومصائب السباكة وشرابات غدر بها الزمن فاستسلمت لثقوب مستديرة تتسع لطموحاتنا الضائعة
​ولكن فجأة تحدث اللقطة الأسبوعية
​يتحول هذا المواطن المطحون الذي لا يملك قُوت يومه بالمعنى الحقيقي إلى سلطان زمانه يخلع ثوب المسكنة وينسى طوابير الجمعيات التموينية والبحث الصعب عن لقمة العيش ليجلس على كرسي المقهى البلاستيكي المتآكل كأنه عرش لويس الرابع عشر متدثراً برداء الفوقية المطلقة كيف بعشرة غرامات من الهواء الساخن نطلق عليها مجازاً بطولة أو انتصاراً في لعبة ركل جلود منفوخة
​هنا وفي هذه اللحظة الغريبة يمارس المواطن البائس كل ما كان ينقمه على الأثرياء قبل ساعات يرتدي قناع الكبير الذي لا يُقهر ويبدأ في جلد أخيه في المعيشة البائسة يسخر من قلة حيلته ويحفِّل على عثراته ويزدريه بفوقية عجيبة ينسى تماماً أنهما يشربان من نفس الكوب المشروخ ويقفان في نفس الحافلة المزدحمة وأن كلاهما خارج حسابات المخرج في دراما الحياة الحقيقية
​إنه يشتري بوهم الفوز صكاً مؤقتاً بالوجاهة الاجتماعية يظن وهو يضحك ملء شدقيه ساخراً من منافسه أنه صار من أصحاب الأملاك كمن نام على رصيف بارد فحلم أنه يجلس على عرش بريطانيا العظمى يحق له أن يأمر وينهى ويسخر من الرعية
​لكن كم تدوم نشوة الملوك الصغار
​يوم أو يومان ثم تتدخل أحكام الواقع بقسوتها المعتادة ينفض سامر الصاخبين على المقهى وتطفأ الأنوار وتفرغ زجاجات المياه الغازية يعود الملك إلى مملكته الضيقة ينظر في المرآة فيجد قناع العظمة قد سقط ليظهر تحته وجهه الحقيقي رجل طيب متعب يبحث عن فردة شرابه الأخرى الممزقة ليخفيها تحت حذائه القديم قبل النزول إلى العمل
​يعود إلى روتينه اليومي ينقم من جديد على المجتمع يلعن الغلاء ويتحسر على عيشته المهلهلة التي لا تشبه عيشة الأثرياء في شيء يعود ليمارس دوره الطبيعي كضحية للظروف منتظراً بشغف جرعة النسيان الكروي القادمة منتظراً تلك الساعات المعدودة التي تسمح له بأن ينسى فقره ليمارس دور الجلاد الفوقي على جارٍ له لا يختلف عنه إلا في لون القميص وفي كونه قرر أن يعيش الواقع بصعوبته بدلاً من الانتشاء بنصرٍ لم يغير من واقع عيشته شيئاً ولم يجنِ من ورائه سوى السراب
​هي دورة الحياة في جمهورية المدرج سخط مستمر فنشوة عابرة فعودة صاغرة إلى شراباتنا الممزقة بانتظار وهمٍ جديد يعيد إلينا كبرياءنا المفقود ولو لدقائق