الجودة المجتمعية 2030 عندما تتحول المجتمعات إلى كائن حيّ يفكر ويشعر بالجودة
كتب: عثمان الشويخ
في عالم يتسارع فيه التطور لم تعد الجودة مجرد أرقام أو شهادات تعلق على الجدران بل أصبحت نبضاً يسري في جسد المجتمع وحالة إنسانية تعكس وعي الأفراد وسلوكهم ومن منطلق إيماننا بأهمية نشر الفكر المتطور الذي يخدم رؤية مصر المستقبلية يسعدنا أن نسلط الضوء على هذه الرؤية العميقة التي صاغها البشمهندس هيثم المسلمي حول مفهوم هندسة الجودة المجتمعية وكيف يتحول الإنسان من مجرد متلقٍ إلى شريك أصيل في صناعة الإتقان
بقلم: مهندس/ هيثم عبد الغني المسلمى
لم تعد الجودة في عصرنا الحديث مجرد نظام رقابي أو شهادة تمنحها جهات مثل International Organization for Standardization بل أصبحت مفهومًا يتجاوز حدود المؤسسات ليصل إلى عمق المجتمع ذاته فمع تسارع التحولات العالمية لم يعد الحكم على جودة أي منظومة يعتمد فقط على كفاءة عملياتها بل على قدرتها في التأثير في الإنسان في سلوكه ووعيه وحالته النفسية نحن اليوم أمام تحول جذري في المفهوم حيث تنتقل الجودة من كونها أداة ضبط إلى كونها حالة إنسانية شاملة يمكن تسميتها بهندسة الجودة المجتمعية
لقد بدأ مفهوم الجودة في صورته الحديثة مع رواد الفكر الإداري مثل W Edwards Deming و Joseph M Juran و Philip B Crosby الذين وضعوا أسسًا علمية تقوم على تقليل الأخطاء وتحسين العمليات وتحقيق رضا العميل إلا أن هذه النماذج نشأت في سياق صناعي تقليدي ولم تكن مصممة لمواجهة عالم تحكمه التكنولوجيا الذكية وتتشكل فيه القرارات بناءً على السلوك البشري والبيانات اللحظية ومن هنا أصبح من الضروري إعادة تعريف الجودة لتصبح أكثر ارتباطًا بالإنسان لا بالمنتج فقط وبالتجربة لا بالإجراءات وحدها
في هذا السياق الجديد تتحول الجودة إلى ما يشبه الطاقة الاجتماعية التي تنتقل بين الأفراد وتنعكس على أدائهم وسلوكهم حيث يمكن تبسيط هذا المفهوم من خلال معادلة تفاعلية تقوم على أن الجودة هي حاصل تفاعل السلوك مع الوعي والبيئة والشعور الجماعي هذه المعادلة تكشف عن ترابط عميق يبدأ من الفرد وينتهي بالمجتمع فكلما تحسنت الحالة النفسية للفرد ارتفع مستوى أدائه وتحسنت جودة الخدمة التي يقدمها مما يؤدي إلى زيادة رضا المجتمع وتحقيق قدر أعلى من الاستقرار وهنا لم تعد الجودة نتيجة نهائية تُقاس في نهاية العملية بل أصبحت مسارًا حيًا من التأثير والتأثر المستمر
ومن هذا المنطلق يبرز نموذج البصمة المجتمعية للجودة كأحد النماذج الحديثة التي تسعى إلى قياس جودة المجتمع بشكل شامل ومتكامل من خلال مجموعة من المؤشرات التي تشمل البعد النفسي والاجتماعي والتشغيلي ومستوى الثقة العامة هذا النموذج لا يهدف فقط إلى القياس بل إلى بناء رؤية لحظية لحالة المجتمع تسمح بفهم دقيق للواقع وتمكّن متخذي القرار من التدخل في الوقت المناسب وبصورة أكثر فاعلية فبدلًا من الاعتماد على تقارير تقليدية متأخرة يصبح بالإمكان قراءة المشهد المجتمعي لحظة بلحظة واتخاذ قرارات مبنية على بيانات حية
وفي ظل هذا التحول لم تعد أدوات القياس مقتصرة على الأجهزة والأنظمة بل أصبح الإنسان نفسه هو جهاز القياس الحقيقي فالمواطن اليوم لم يعد مجرد متلقٍ للخدمة بل أصبح مستشعرًا للواقع ومحللًا للتجربة وناقلًا للمعلومة من خلال تفاعله اليومي مع الخدمات واستخدامه للتقنيات الرقمية هذا التحول يعيد تشكيل المجتمع ليصبح نظامًا ذكيًا متكاملًا قادرًا على التفاعل الفوري مع التغيرات وعلى إنتاج معرفة مستمرة تساعد في تحسين الأداء العام
إن النموذج المجتمعي للجودة يتميز بخصائص تجعله مختلفًا جذريًا عن النماذج التقليدية فهو يدمج بين البعد النفسي والتشغيلي ويعتمد على البيانات اللحظية بدلًا من التقارير الدورية ويشرك المجتمع في عملية التقييم والتحسين ويركز على التجربة الإنسانية بوصفها جوهر الجودة وفي هذا النموذج يتحول المواطن من متلقٍ إلى شريك ويتحول القرار من كونه مركزيًا إلى كونه تفاعليًا مما يعزز من كفاءة النظام ويزيد من قدرته على الاستجابة للتحديات
إن التحول نحو الجودة المجتمعية لا يمثل مجرد تطوير تقني بل هو تحول فكري عميق يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والنظام فإذا كانت الجودة في الماضي تُدار داخل المؤسسات فإنها اليوم تُصنع داخل الإنسان نفسه من خلال وعيه وسلوكه وتفاعله مع محيطه ومن هنا يبرز سؤال المستقبل الذي يفرض نفسه بقوة هل نحن مستعدون للانتقال من إدارة الجودة إلى قيادة شعور المجتمع
في ظل ما يشهده العالم من تغيرات متسارعة وما تمتلكه مصر من قدرات بشرية وتطور مؤسسي تبدو الفرصة مهيأة لتبني نموذج رائد في الجودة المجتمعية بحلول عام 2030 نموذج يضع الإنسان في قلب المعادلة ويعيد تعريف النجاح ليس فقط بما ننتجه بل بما نشعر به ونعيشه فالجودة لم تعد مجرد نظام يُطبق بل أصبحت وعيًا يُمارس ومنظومة حياة تُبنى ومجتمعًا يتطور من الداخل قبل الخارج





