​حكايات الشويخ - الحكاية العشرون: "البراء بن مالك.. المُستجاب الدعوة وفارس حديقة الموت"

​حكايات الشويخ - الحكاية العشرون: "البراء بن مالك.. المُستجاب الدعوة وفارس حديقة الموت"


​القسم الثاني: نجوم في سماء الصحابة
​بجريدة الأنباء الدولية
​بقلم: عثمان الشويخ
​أهلاً بكم في الحكاية العشرين، ومسك ختام القسم الثاني من حكايات الشويخ "نجوم في سماء الصحابة". آثرنا أن نختم هذه السلسلة ببطل لم يكن مجرد فارس مغوار، بل كان صاحب "عهد" صادق مع الله، حتى قال في حقّه النبي صلى الله عليه وسلم جملة تجعل القلوب تقف إجلالاً: "رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، منهم البراء بن مالك".

​إننا نتحدث عن "البراء بن مالك الأنصاري"، سليل بني النجار، وشقيق خادم النبي صلى الله عليه وسلم "أنس بن مالك" لأبيه وأمه (أم سليم بنت ملحان)، ذلك الرجل الذي كانت شجاعته تخلع قلوب الأعداء رعباً.

​لم يكن البراء مجرد مقاتل صلب، بل وهبه الله صوتاً ندياً جميلاً، فكان "يحدو" (ينشد) خلف ركائب النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره، مروضاً بصوته وعثاء السفر.
 صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وشهد معه المشاهد كلها بعد بدر، وبايع تحت الشجرة، وظل وفياً لعهده حتى الرمق الأخير.

 واشتهر رضي الله عنه ببراعته في المبارزة، حيث قَتل مائة من شجعان المشركين في مبارزات فردية، غير الذين قتلهم في خضم المعارك.

​البطل الذي هابه الفاروق 
​هل تتخيلوا أيها القراء الكرام أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، برغم قوته وفراسته العسكرية، قد أرسل أمراً إلى قادة الجيوش يقول فيه:
 لا تُولوا البراء جيشاً من جيوش المسلمين
 لم يكن ذلك تقليلاً من شأنه، بل خوفاً على المسلمين من فرط شجاعته واقتحامه للموت بقلب لا يعرف التراجع، فخشي الفاروق أن يُهلك الجنود وراءه من شدة انبهارهم ببطولته الفذة التي لا تهاب المنية.

​تضحية الأخ لأخيه 
​ومن أروع مواقف وفائه، ما حدث في فتوح العراق حين حاصر المسلمون حصناً للفُرس، وكان الأعداء يلقون سلاسل من حديد تنتهي بـ "كلاليب" محماة بالنار لتخطف رجال المسلمين. 
فأصاب أحد هذه الكلاليب أخاه "أنس بن مالك"، فما كان من البراء إلا أن قفز ليمسك السلسلة المحماة بيديه العاريتين، وظل يصارع النار والحديد ليخلص أخاه، حتى سقط لحم يده وبان عظمها، لكنه لم يتركها حتى أنقذ شقيقه في مشهد يجسد أسمى معاني الأخوة والفداء.

​ملحمة "حديقة الموت" الفدائي الأول
​في حروب الردة، وتحديداً في معركة "اليمامة"، تحصن المرتدون داخل "حديقة الموت" ذات الأسوار الشاهقة. 
وهنا طلب البراء من الصحابة طلبه الأسطوري: "ضعوني في مِنجنيق وألقوني عليهم من فوق السور. 
وبالفعل، طار البراء في الفضاء ليهبط وسط آلاف الأعداء وحيداً، وقاتلهم بشراسة حتى فتح باب الحديقة للمسلمين، وخرج يومها وفي جسده بضعة وثمانون جرحاً، فظل خالد بن الوليد يطببه شهراً كاملاً حتى برأت جراحه.

​الشهادة في "تستر".. الوعد الصادق
​في حصار مدينة "تستر" سنة 20 هـ، اشتد القتال، فقال الصحابة له: "يا براء.. اقسم على ربك أن ينصرنا".
 فرفع يده بكل يقين قائلًا: "اللهم إني أقسم عليك أن تمنحنا أكتافهم، وأن تلحقني بنبيك صلى الله عليه وسلم اليوم".

 استجاب المولى عز وجل لدعوته، فدخل المسلمون المدينة عبر "سرب" تحت الأرض كان البراء في مقدمته، وتحقق النصر، واستشهد البراء على يد القائد الفارسي "الهرمزان"، ليلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم كما تمنى.

​خاتمة القسم الثاني
​بقصة البراء بن مالك، نختتم القسم الثاني من "حكايات الشويخ". لقد حاولنا في عشرين حكاية أن نستخرج "اللآلئ" المكنونة في تاريخنا، لنُعرّف أجيالنا أن أبطالنا الحقيقيين كانوا رجالاً من لحم ودم، لكن قلوبهم كانت معلقة بعرش الرحمن.

​رسالة البراء لنا: "الصدق مع الله هو المفتاح الذي يفتح الأبواب الموصدة، واليقين هو السلاح الذي لا يُهزم أبداً".

​لقد بذلت قصارى جهدي في جمع المعلومات وترتيبها والبحث عن الصحابة العظماء الذين يجهل سيرتهم للأسف الكثير منا، فإن كان من صواب فمن الله وإن كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه.

​رمضان مبارك عليكم جميعاً، ونلقاكم في أقسام جديدة وحكايات لا تنتهي من "حكايات الشويخ".