رقمنة العدالة بين مشروعية فرض الرسوم والحق الدستوري في التقاضي
إشراف وتنظيم : عثمان الشويخ
المستشار نزيه الحكيم يتحدث لجريدة الأنباء الدولية التقاضي عن بُعد.. حين تدخل العدالة عصر الرقمنة ولا تخرج من سلطان القانون
لا أحد يختلف مع الدولة في أن العدالة يجب أن تواكب العصر، وأن تنتقل من الملفات الورقية إلى المنظومات الرقمية، ومن أروقة المحاكم المزدحمة إلى فضاء إلكتروني يختصر الوقت والجهد، ويحفظ الإجراءات، وييسر الوصول إلى العدالة.
ولا أظن أن هناك رجل قانون عاقلًا يمكن أن يعترض على تطوير منظومة العدالة أو استخدام التكنولوجيا الحديثة في إجراءات التقاضي.
لكن بين أن نُرقمن العدالة، وبين أن نفرض رسمًا على ممارسة حق من حقوقها، مسافة قانونية ودستورية لا يجوز أن نتجاوزها.
وهنا تحديدًا تبدأ المسألة التي أثارت جدلًا واسعًا خلال الساعات الماضية حول رسوم منظومة التقاضي الجنائي عن بُعد.
فالمنصة التي أطلقتها وزارة العدل تتيح للمحامين التسجيل والحضور عن بُعد أمام محاكم جنايات أول درجة، والاطلاع على ملفات الدعاوى، والحصول على بعض الخدمات إلكترونيًا، وقد حددت المنظومة مبالغ مالية متعددة، من بينها 500 جنيه للاشتراك السنوي، و500 جنيه لحضور جلسة الجناية عن بُعد، و100 جنيه لجلسة تجديد الحبس، فضلًا عن مقابل تصوير أوراق واشتراكات الرسائل النصية.
ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال:
هل نحن مع التقاضي عن بُعد أم ضده؟
فهذا سؤال في غير موضعه.
السؤال الحقيقي هو:
هل تملك الإدارة أن تفرض مقابلًا ماليًا على ممارسة إجراء من إجراءات التقاضي لمجرد أنها نقلته من الوسيلة التقليدية إلى الوسيلة الرقمية؟
وهنا يجب أن نكون أمام ثلاث دوائر قانونية متمايزة:
المشروعية.. والدستورية.. والقانونية.
أولًا: مشروعية التقاضي عن بُعد لا تعني مشروعية الرسوم
التقاضي عن بُعد، في ذاته، لم يعد فكرة تجريبية أو إجراءً مستحدثًا بلا سند؛ فقانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 نظم استخدام وسائل الاتصال الحديثة في الإجراءات الجنائية، كما أناط بوزير العدل إصدار القرارات اللازمة لتنفيذ أحكام القانون في حدود الاختصاص المقرر له.
ومن ثم فإن أصل المنظومة مشروع، بل هو اتجاه تشريعي وإداري نحو تطوير العدالة.
ولكن ينبغي ألا نخلط بين أمرين مختلفين:
تنظيم وسيلة التقاضي شيء، وفرض عبء مالي على استعمال هذه الوسيلة شيء آخر.
فإذا كانت الدولة قد اختارت أن تجعل الحضور في بعض الإجراءات يتم إلكترونيًا، فإن مجرد كون الوسيلة إلكترونية لا ينشئ بذاته حقًا للإدارة في تحصيل مبلغ مالي من المحامي أو المتقاضي.
والقاعدة هنا بسيطة:
الاختصاص في تنظيم المرفق لا يساوي الاختصاص في إنشاء رسم.
ثانيًا: «لا رسم إلا بقانون»
وهذه في تقديري هي النقطة الأهم في الموضوع كله.
الرسم ليس مج�









