عاطف طلب يكتب : بين الشائعة والحقيقة.. حين تتحول الأخبار المضللة إلى وقود للأزمات

عاطف طلب يكتب :  بين الشائعة والحقيقة.. حين تتحول الأخبار المضللة إلى وقود للأزمات

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتناقل فيه الأخبار بضغطة زر، لم تعد الحقيقة وحدها هي ما يتصدر المشهد، بل كثيرًا ما تسبقها الشائعة بخطوات واسعة، مدفوعة بالانفعال وسرعة التداول. وخلال الساعات الماضية، تصدّر خبر مثير للجدل حول “سحل السفير الإيراني وطرده من بيروت” مواقع التواصل الاجتماعي، ليطرح تساؤلات مشروعة حول دقته، ويكشف في الوقت ذاته عن خطورة الانسياق خلف معلومات غير موثقة، خاصة في ظل أجواء إقليمية مشحونة.

ما تم تداوله بشأن سحل السفير الإيراني في لبنان وطرده بالقوة من بيروت، لا يمت للحقيقة بصلة، رغم الانتشار الواسع للفيديو المصاحب لهذه المزاعم. فالمحتوى المتداول ليس حديثًا، بل يعود إلى واقعة قديمة جرت في مايو 2022، ولا علاقة لها بأي تحركات دبلوماسية حالية بين لبنان وإيران.

الشخص الظاهر في الفيديو ليس سفيرًا إيرانيًا كما أُشيع، بل مواطن لبناني يُدعى شربل طحومي، وقد جاءت الواقعة في سياق مختلف تمامًا، عقب مشادة تضمنت إساءات لفظية، انتهت بتعرضه للاعتداء من قبل عدد من الأشخاص.

إن خطورة هذه النوعية من الأخبار لا تكمن فقط في كونها غير صحيحة، بل في توقيتها أيضًا، حيث تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ما يجعلها قابلة لإشعال التوترات وتأجيج الرأي العام، بل وقد تُفهم على أنها تطورات دبلوماسية خطيرة، وهو ما لم يحدث.

الأمر لا يتوقف عند هذه الواقعة فحسب، بل يمتد إلى سيل من الشائعات التي تغزو الفضاء الإلكتروني يوميًا، بدءًا من أخبار عسكرية مفبركة، وصولًا إلى روايات غير دقيقة عن تحركات دولية كبرى. وفي ظل هذا المشهد، تصبح المسؤولية مشتركة بين صانع المحتوى والمتلقي، حيث لم يعد مقبولًا تداول المعلومات دون تحقق، أو إعادة نشر محتوى مجهول المصدر.

إن الوعي الإعلامي لم يعد رفاهية، بل ضرورة ملحة في زمن تتداخل فيه الحقيقة مع التضليل. فالمعلومة الخاطئة، خاصة في أوقات الأزمات، قد تعادل في تأثيرها أخطر الأسلحة، لما تتركه من آثار نفسية وسياسية ومجتمعية.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة مسؤولية جماعية، تبدأ من تحرّي الدقة، وتمر عبر اختيار مصادر موثوقة، وتنتهي برفض الانجرار وراء الإثارة الزائفة. فليس كل ما يُنشر يُصدق، وليس كل ما يُشاهد يعكس الواقع.