عاطف طلب يكتب : سيناء… حين تتحول الذكرى إلى بوصلة وطن
في كل عام، لا تمر ذكرى تحرير سيناء مرور العابرين، بل تأتي محمّلة بما هو أبعد من الاحتفال؛ تأتي كوقفة مراجعة، وجرس تذكير، ورسالة ممتدة بأن الأرض التي رُويت بالدم لا تُحفظ إلا بالوعي والعمل. وبين مشهد الأمس وتحديات اليوم، تظل سيناء شاهدة على أن النصر لم يكن نهاية المعركة، بل بدايتها الحقيقية.
تحرير سيناء لم يكن مجرد استعادة قطعة من الأرض، بل كان استردادًا للكرامة الوطنية، وإعادة صياغة لعلاقة المصري بأرضه وحدوده. لقد أثبتت التجربة أن المعارك لا تُحسم فقط في ميادين القتال، بل تُستكمل في ميادين السياسة، والتنمية، والوعي المجتمعي.
من أهم الدروس التي تفرض نفسها كل عام، أن الحفاظ على الوطن لا يقل أهمية عن تحريره. فكما انتصرنا بالسلاح، نحن مطالبون اليوم بالانتصار بالتنمية، وبترسيخ الأمن، وبمواجهة الأفكار الهدامة التي تحاول النيل من استقرار الدولة.
الجديد الذي يفرض حضوره هذا العام، هو التحول الواضح في نظرة الدولة إلى سيناء، من مجرد أرض ذات أهمية استراتيجية إلى محور تنموي متكامل. لم تعد سيناء بعيدة أو مهمشة، بل أصبحت في قلب خطط التنمية الشاملة، من مشروعات البنية التحتية، إلى التجمعات العمرانية، وصولًا إلى محاولات خلق بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار.
كما أن الوعي الشعبي أصبح أكثر إدراكًا لطبيعة التحديات، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات. لم يعد المواطن متلقيًا للأحداث فقط، بل أصبح شريكًا في حماية الاستقرار، ومدركًا أن الأمن القومي لا يُصان بالشعارات، بل بالتماسك الداخلي.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، تعود سيناء لتؤكد أنها ليست مجرد أرض تم تحريرها، بل خط دفاع متقدم، وورقة توازن في معادلات معقدة، مما يفرض ضرورة استمرار اليقظة وعدم الركون إلى الاطمئنان الزائف.
الاحتفال بذكرى تحرير سيناء لا يجب أن يُختزل في كلمات أو مناسبات رسمية، بل ينبغي أن يتحول إلى فعل يومي، وإلى التزام حقيقي تجاه هذا الوطن. فالتاريخ لا يرحم من ينسى دروسه، والأوطان لا تُحمى بالذكريات، بل تُصان بالعمل والإرادة.
سيناء لم تُحرر فقط… بل كُلّفنا جميعًا بحمايتها.





