عثمان الشويخ يكتب ليس كل ما يُعرف في السياسة يُقال بين حسابات الدولة وما يراه المواطن

عثمان الشويخ يكتب ليس كل ما يُعرف في السياسة يُقال  بين حسابات الدولة وما يراه المواطن


لا أمل من الكتابة عن السياسة المصرية والتأكيد على أن تصرفات الدول ليست كتصرفات الأفراد.
 فما نراه نحن ليس بالضرورة كل ما تراه الدولة، لأن هناك حسابات ومصالح وملفات أمن قومي لايمكن ومن غير المعقول  أن تُعلن تفاصيلها كاملة أمام المواطنين.

من حق المواطن أن يسأل ويناقش وينتقد، لكن في الوقت نفسه لازم نفهم أن الحكم على أي موقف يحتاج إلى معرفة الظروف المحيطة به. فالدولة لا تتحرك بناءً على ما يظهر أمامنا فقط، وإنما تتعامل مع ملفات كثيرة ومتشابكة، وقد تكون هناك أمور لا نعرفها ولا يمكن الإعلان عنها في الوقت الحالي.

ولعلنا نتذكر عبارة الرئيس عبدالفتاح السيسي «بطلوا هري» التي أثارت نقاشًا واسعًا. وبعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع العبارة، تظل الفكرة التي نتحدث عنها مهمة، وهي أن بعض القرارات لها أبعاد قد لا تكون واضحة للجميع من البداية.

ومع التطورات الأخيرة، وافق مجلس النواب المصري على تفويض الرئيس السيسي باتخاذ ما يلزم لدعم السعودية والدفاع عن أراضيها وسيادتها في مواجهة الاعتداءات. وفي الوقت نفسه شهدت طهران لقاءات بين مسؤولين من السعودية وتركيا وباكستان ومسؤولين إيرانيين لبحث الأمن الإقليمي وخفض التصعيد.

وهنا تظهر طبيعة السياسة التي نتحدث عنها. فاستعداد الدولة للدفاع عن مصالحها أو دعم حليف لا يعني بالضرورة إغلاق باب التفاوض، والتحرك الدبلوماسي لا يعني التخلي عن الاستعداد الدفاعي.

وفي السياسة لا توجد صداقة دائمة ولا عداوة دائمة، فالمواقف تتغير وفقًا للمصالح والظروف، وما يبدو اليوم خلافًا قد يتغير غدًا. لكن المشكلة أن هناك من ينتقد الدولة المصرية مهما كان قرارها. فعندما لم تنضم مصر إلى حلف مكة قالوا إنها غائبة عن المشهد وغير مؤثرة، وعندما اتخذت خطوة عملية بالموافقة على تفويض الرئيس لاتخاذ ما يلزم لدعم السعودية والدفاع عنها انتقدوا الموقف أيضًا.
 وهنا يصبح السؤال عن معيار الحكم نفسه، فإذا كان غياب مصر خطأً في نظرهم وحضورها خطأً كذلك، فهل الاعتراض على القرار أم أن المشكلة في الدولة مهما كان موقفها؟

مصر أمامها ملفات كثيرة في المنطقة، من ليبيا والسودان إلى أمن البحر الأحمر وقضية مياه النيل، وكل ملف له حساباته وتأثيره. لذلك لا يمكن فهم موقف واحد بعيدًا عن بقية المشهد، ولا يصح أن نحكم على كل شيء من خبر عاجل أو معلومة ناقصة. كما أن التفويض باتخاذ إجراءات لا يعني بالضرورة أن تحركًا عسكريًا قد حدث بالفعل، فلكل خطوة تفاصيلها التي ينبغي التأكد منها.

أنا عندي ثقة  في مؤسسات الدولة المصرية وجيشها، لكن الثقة لا تعني إلغاء التفكير أو منع النقاش.
 فالمواطن من حقه أن يسأل، ومن حقه أن يفهم قدر الإمكان، لكن من المهم أيضًا ألا يتسرع في الحكم على أمور لا يعرف تفاصيلها كاملة.

في النهاية، ليس كل ما نجهله دليلًا على أن الدولة لا تعمل، وليس كل ما نعرفه يعني أننا نرى الصورة كاملة. والسياسة تحتاج إلى قراءة هادئة وفهم للمصالح والظروف، بعيدًا عن التسرع والاعتماد على جزء من المشهد.
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها ووفقها لما فيه الخير.