قبل أن يولد التاريخ.. كانت مصر قد انتهت من كتابة الفصل الأول من العالم
مقدمة بقلم: عثمان الشويخ
الفن حين يوثق للتاريخ...قال التاريخ كلمته اغنية مصرية بنكهة عالمية
دائماً ما كان الفن هو المرآة الحقيقية لعظمة الأمم،وفي وقت نحتاج فيه إلى استعادة بريق الهوية الوطنية واستنطاق أمجاد الماضي برؤية عصرية
يأتي العمل الفني الجديد قال التاريخ كلمته ليضعنا أمام ملحمة مغناة تتجاوز حدود النشيد الوطني التقليدي.
لتعلن للعالم أجمع أن مصر لم تكن يوماً هامشاً في كتاب التاريخ بل هي السطر الأول والمتن والعنوان.
ومن منطلق دورنا في تسليط الضوء على الإبداع الذي يجمع بين الأصالة والحداثة تنشر جريدة الأنباء الدولية هذا العمل الفني الذي صاغه نخبة من المبدعين العرب والدوليين.
حين يتحدث التاريخ عن الأمم، فإنه يبدأ من لحظة الميلاد، ومن لحظة التكوين، ومن أول سطر كُتب في دفاتر الزمن. لكن حين يتحدث التاريخ عن مصر، فإنه لا يبدأ منها فقط، بل يبدأ بها. لأن مصر ليست مجرد دولة مرت على التاريخ، بل هي الدولة التي مر التاريخ من خلالها، وتشكل على أرضها، وخرج من رحم حضارتها إلى العالم كله.
ومن هنا تأتي عبقرية الأغنية الوطنية "قال التاريخ كلمته"، بصوت الفنانة نور درويش، وكلمات الشاعر عزت عوض، وألحان هيثم المسلمى، وتوزيع سهيل عياش، لتقدم مصر بصورة مختلفة تمامًا، ليست باعتبارها وطنًا فقط، بل باعتبارها الأصل الذي سبق كل الحكايات، والاسم الذي سبق كل الأسماء.
فالأغنية لا تتعامل مع مصر باعتبارها جزءًا من التاريخ، بل باعتبارها الحقيقة التي وُلد التاريخ بعدها.
وكأن الرسالة الخفية داخل الكلمات تقول إن التاريخ حين أراد أن يبدأ أول سطوره، بحث عن مصر أولًا، لأنها أول الحكايات، وأول الأوطان، وأول المعنى.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في النص هو ذلك البعد الروحي العميق حين يقول:
"أنا الاسم اللي ربي .. سماني ف القرآن"
فهنا لا تصبح مصر مجرد جغرافيا أو حدود، بل تتحول إلى اسم له قدسية خاصة، وذكر استثنائي، ومكانة جعلت اسمها حاضرًا في القرآن الكريم، وكأن القدر أراد أن يمنح هذا الوطن شرفًا لم يمنحه لكثير من الأمم.
فالقرآن الكريم جاء برسالة السماء قبل أن تُخلق تفاصيل الدنيا الحديثة، وقبل أن تُكتب كتب التاريخ والجغرافيا والسياسة، وحين جاء ذكر مصر فيه، كان ذلك إعلانًا بأن هذا الوطن لم يكن مجرد مرحلة في الزمان، بل كان جزءًا من قدر إلهي ممتد منذ البداية.
ولهذا فإن الفكرة الأكثر إبهارًا التي تطرحها الأغنية هي أن مصر لم تأتِ بعد التاريخ، بل إن التاريخ هو الذي جاء بعدها. فقبل أن توجد الإمبراطوريات، كانت مصر. وقبل أن تُكتب الحضارات على جدران المعابد والقصور، كانت مصر. وقبل أن يعرف العالم معنى الدولة، كانت مصر تعرف معنى الوطن.
إنها ليست مبالغة شعرية، بل حقيقة حضارية؛ لأن مصر كانت من أوائل الدول التي عرفت الدولة المركزية، والنظام، والإدارة، والجيش، والزراعة، والعمران، والفنون، والعلوم. ولذلك تبدو عبارة "قال التاريخ كلمته" وكأنها ليست عنوان أغنية، بل شهادة رسمية من الزمن نفسه بأن مصر لم تكن شاهدًا على الحضارة فقط، بل كانت صانعتها الأولى.
وتزداد الصورة جمالًا حين تنتقل الكلمات إلى وصف أرض مصر، فتبدو الأرض وكأنها ليست مجرد تراب، بل قطعة من النور والخير والبركة:
"نيل م السما نازل .. والطعم م الجنة .. يروي ف أرضي الخير .. بالمسك والحنة"
هذه ليست مجرد صورة شعرية، بل محاولة ذكية لتقديم النيل باعتباره شريانًا سماويًا، وأن الخير في مصر ليس مجرد إنتاج أو زراعة، بل حالة ممتدة من البركة التي جعلت هذا الوطن قادرًا على البقاء مهما تغيرت الظروف، ومهما مرت عليه الحروب أو الأزمات.
ثم تأتي العبارة الأشهر "أنا مصر أم الكون" لتمنح الأغنية بعدًا أكبر من مجرد الوطنية التقليدية. فهنا لا تتحدث الكلمات عن مصر باعتبارها أم الدنيا فقط، بل باعتبارها الحضن الذي خرجت منه معاني الإنسانية والحضارة والقوة والرحمة في وقت واحد.
والأغنية أيضًا لا تقع في فخ العاطفة وحدها، بل تقدم المعادلة المصرية الكاملة: السلام لمن يحبها، والقوة لمن يعاديها. فهي "حضن ودفا لأولادي"، لكنها أيضًا "نار للي يعادي". وهذه العبقرية في التوازن هي ما يجعل مصر مختلفة؛ فهي ليست دولة تبحث عن الحرب، لكنها أيضًا ليست دولة تقبل الانكسار.
ويزيد من قوة هذا العمل ذلك التنوع العربي والدولي في فريقه الموسيقي، حيث اجتمع الإيقاع الفرنسي، والعود السعودي، والقانون الأردني، والكمان اللبناني، والطبول المصرية، بمصاحبة فرقة أصدقاء العالم، وكأن الرسالة الفنية نفسها تقول إن مصر ليست وطنًا للمصريين فقط، بل وطن يجمع حوله العالم كله، لأن مصر حين تغني، فإن الجميع يستمع.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى "قال التاريخ كلمته" باعتبارها مجرد أغنية وطنية جديدة، بل يجب النظر إليها باعتبارها بيانًا فنيًا يقول إن مصر ليست دولة عادية في كتاب الأمم، بل هي الصفحة الأولى فيه. وأن اسم مصر لم ينتظر التاريخ حتى يخلده، لأن مصر جاءت أولًا... ثم جاء التاريخ بعدها ليبحث عن مكان له بجوارها.
خاتمة بقلم: عثمان الشويخ
يبقى أن نشير إلى أن هذا التلاحم الفني بين الكلمة المصرية الرصينة والألحان الشجية للمبدع هيثم المسلمي مع هذا التوزيع الأوركسترالي للموسيقار سهيل عياش الذي جمع آلات الشرق والغرب
هو تأكيد على أن القوة الناعمة المصرية ما زالت هي القائد والمحرك للوجدان العربي والعالمي.
إن فرقة أصدقاء العالم لم يقدموا مجرد أغنية بل قدموا رسالة حب ووفاء لتراب هذا الوطن الحبيب
للاستماع إلى الأغنية ومعايشة هذه الملحمة الوطنية بالصوت والصورة، يمكنكم الضغط على الرابط التالي:
رابط أغنية "قال التاريخ كلمته" على يوتيوب





