ليست كل سرقة سواء..
حين يكون المسروق جزءًا من ذاكرة الوطن
المستشار / نزيه الحكيم
من الناحية القانونية، يجب التمييز بدقة بين أمرين:
الأول: الفعل المجرّم بالفعل وفق النصوص القائمة، كالسرقة أو إخفاء الأشياء المتحصلة منها مع العلم بمصدرها.
والثاني: الحاجة إلى تدخل تشريعي جديد يضع حماية خاصة للمقتنيات ذات القيمة التاريخية أو الوطنية أو الرمزية، ويواجه بصورة أكثر تحديدًا أفعال تغيير معالمها أو صهرها أو تفكيكها متى كان ذلك بقصد إخفاء مصدرها أو الحيلولة دون ضبطها أو ردها إلى صاحبها.
وهذه ليست دعوة إلى العقاب لمجرد ارتفاع قيمة الشيء، وإنما إلى التمييز بين القيمة المالية للمسروق وقيمته الحضارية أو الوطنية أو الرمزية.
فليس منطقيا أن تتساوى في الأثر القانوني سرقة قطعة ذهبية عادية يمكن تعويض صاحبها بقيمتها، مع سرقة وسام أو قلادة أو جائزة رسمية تمثل جزءًا من تاريخ الدولة أو سيرة صاحبها، ثم صهرها بحيث يستحيل تقريبًا استردادها في صورتها الأصلية.
كما أن المسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند يد السارق؛ فتجفيف سوق المسروقات جزء أساسي من سياسة الردع. فكلما وجد السارق من يشتري منه المسروق أو يقبله أو يساعد على تغيير معالمه، أصبحت الجريمة أكثر قابلية للاستمرار.
ومن هنا تبرز أهمية إحكام الرقابة على من يتعاملون في المعادن والمصوغات، وربط المسؤولية الجنائية بالعلم بمصدر المال المتحصل من الجريمة، مع عدم التوسع في التجريم بغير ضوابط؛ لأن الأصل أن المسؤولية الجنائية شخصية، وأن العلم بمصدر المال عنصر جوهري في جريمة إخفاء المسروقات.
أما القول بتشديد العقوبة، فينبغي أن يكون مدروسًا لا انفعاليًا؛ فالتشريع الجنائي الرشيد لا يكتفي برفع العقوبات، وإنما يحدد بدقة ما هي المقتنيات التي تستحق حماية خاصة، وما السلوك الذي يشكل ظرفًا مشددًا، ومتى يتحول تغيير معالم المسروق أو صهره إلى ظرف يستوجب عقوبة أشد.
ولعل واقعة قلادة النيل تكون مناسبة لفتح هذا النقاش التشريعي بهدوء.
فالقانون لا يحمي الذهب لأنه ذهب، وإنما يحمي الحقوق والقيم التي يمثلها المال.
وحين يكون الشيء المسروق يحمل ذاكرة تكريم، أو قيمة وطنية، أو دلالة تاريخية، فإن صهره لا يذيب معدنًا فحسب؛ وإنما قد يذيب جزءًا من ذاكرة لا يمكن إعادة تصنيعها.
ولهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه في محله، لكن الإجابة الأعمق ليست فقط: «شددوا العقوبة».
بل: طوّروا التشريع بحيث يميز بين سرقة المال وسرقة الذاكرة، وبين الاستيلاء على شيء ثمين، ومحاولة محو هويته إلى الأبد.
فالقيمة الحقيقية لبعض المقتنيات ليست فيما تصنع منه، وإنما فيما تحمله من معنى لا يُشترى ولا يُسترد بعد أن يُمحى.









