محمد المنصور.. حين تعانق قرطاج أحد سدنة الفن الجميل في الكويت
بقلم مايا إبراهيم
حين شرعت قرطاج أبواب مسرحها المهيب لاحتفاءٍ عربي تتجلّى فيه قيم الوفاء، كان اسم الفنان الكويتي محمد المنصور حاضرًا بثقله الفني والتاريخي، إذ كرّمته تونس ضمن افتتاح الدورة السادسة والعشرين من المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون، في تحيةٍ لمسيرةٍ امتدت عقودًا، وتنوّعت بين التمثيل والإعلام والموسيقى.
ولم يكن محمد المنصور يومًا مجرد وجهٍ ألفته الشاشة، بل صاحب تجربةٍ متعددة الروافد، استطاعت أن تجمع بين الموهبة والمعرفة، وأن تمنح الفن في تجربته أكثر من نافذة. وإلى جانب حضوره ممثلًا ومقدّمًا للبرامج، ارتبط اسمه بالموسيقى، وعمل أستاذًا لها، ليضيف إلى تكوينه الفني بُعدًا معرفيًا وتربويًا يثري صورته كمبدعٍ لا يكتفي بممارسة الفن، بل يعرف أدواته ويؤمن بقيمة نقلها إلى الآخرين.
وفي عالم التمثيل، امتلك المنصور حضورًا خاصًا وقدرةً على الاقتراب من الشخصيات بوعيٍ فني، فلم يحصر تجربته في قالبٍ واحد، بل تنقّل بين مساحاتٍ تعبيرية مختلفة، محافظًا على خصوصية أدائه وهويته الفنية. ومع امتداد السنوات، تحوّلت الموهبة في تجربته إلى خبرة، والخبرة إلى مكانة، والمكانة إلى اسمٍ له حضوره في ذاكرة الفن الكويتي.
أما الموسيقى، فلم تكن هامشًا في تكوينه، بل أحد الروافد التي أسهمت في تشكيل حسّه الفني. وقد منحته خبرته في تدريسها صلةً مختلفة بالفن، تقوم على المعرفة والتعليم وصقل الذائقة، بما يجعل تجربته أوسع من حدود الوقوف أمام الكاميرا.
وفي الإعلام والتقديم، امتلك المنصور قدرةً أخرى على التواصل مع الجمهور، مستندًا إلى ثقافته وخبرته وحضوره أمام الكاميرا. وهكذا اجتمعت في شخصيته ثلاثة مسارات فنية ومعرفية: ممثلًا، وإعلاميًا، وأستاذًا للموسيقى، وهي تركيبة منحت مسيرته ثراءً خاصًا وجعلت تجربته عصيّة على الاختزال في مجالٍ واحد.
ولعل ما يميّز محمد المنصور أنه ينتمي إلى جيلٍ لم يكن يرى الفن مجرد شهرة، بل تجربةً ومسؤوليةً وتراكمًا. لذلك لم يكن حضوره مرتبطًا بلحظةٍ واحدة، وإنما بمسيرةٍ طويلة استطاع خلالها أن يحافظ على ملامحه الفنية، وأن يظل حاضرًا في المشهد مع تغيّر الأزمنة وتبدّل الأذواق.
ومن هنا، جاء تكريمه في تونس تقديرًا لمسيرةٍ كويتية استطاعت أن تتجاوز حدودها المحلية، وأن تجد لها مكانًا في الذاكرة العربية. فمحمد المنصور لم يبنِ حضوره على موهبةٍ منفردة، وإنما على تعددٍ صقل تجربته، وعلى معرفةٍ وسّعت أدواته، وعلى سنواتٍ جعلت من اسمه جزءًا من تاريخ الفن الكويتي.
ومن قلب قرطاج، جاءت التحية لمحمد المنصور؛ الفنان الذي حمل التمثيل إلى مساحاته الخاصة، والإعلام إلى جمهوره، والموسيقى إلى فضاء المعرفة والتعليم. تكريمٌ يليق بمسيرةٍ لم تكن عابرة، وباسمٍ ظلّ الفن في صميم تجربته، فبقي حضوره شاهدًا على زمنٍ كويتي جميل من أزمنة الإبداع العربي.










