مسودة الجرائم المعلوماتية في العراق بعيون الباحث د. علي حاكم الكرعاوي: ثغرات تشريعية أم قيود على الحريات؟
بقلم: عثمان الشويخ
في حديث خاص لـ «جريدة الأنباء الدولية»، فتح الباحث المختص في دراسة الجرائم الإلكترونية وجرائم الذكاء الاصطناعي، د. علي حاكم الكرعاوي، قلبه وعقله للقراء الأعزاء ليضع بين أيدينا قراءة تحليلية عميقة وإشكالات قانونية هامة تخص مسودة "قانون جرائم المعلوماتية" في العراق، لنقف معاً على تفاصيل هذا الملف الحساس الذي يمس أمن المجتمع وحقوق المواطنين.
وإليكم تفاصيل ما طرحه الدكتور علي حاكم الكرعاوي في هذا الشأن:
هل يرى النور؟
لا يزال قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية في العراق حبيس التشريعات منذ عام 2019، قبل أن يتغير اسمه إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
إن تشريع هكذا قانون، كان يستوجب من المشرع العراقي بحث القوانين الأخرى، أو الرجوع إلى القامات الأكاديمية كشخصية الفقيه الكبير الأستاذ الدكتور عمار عباس الحسيني عميد كلية القانون بجامعة المستقبل بالعراق .
ومن وجهة نظري، فإن قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية رقم 34 لعام 2021 الإماراتي يعد أفضل تشريع عربي متكامل من الناحية الإملائية والنصوص العقابية.
ومع التطور المتسارع في استخدام التقنيات الحديثة، فلم تعد الجريمة ترتكب بنمطها التقليدي؛ بل دخلت التقنيات الحديثة في ارتكاب الجريمة على مختلف أنواعها. ومن خلال الاطلاع على مسودة جرائم المعلوماتية العراقية، نجد أن التسمية المناسبة هي "قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية".
كما أن المسودة تضمنت تعريفات عديدة، في حين أن نص المادة (2) يمكن إدراجه ضمن الأسباب الموجبة لإصدار القانون.
كما أن الفصل الثاني تضمن أحكاماً عقابية قاسية وشديدة لا تتناسب مع حجم الفعل المرتكب، وأغلب هذه الصور منصوص عليها فعلياً في قوانين أخرى كقانون مكافحة الإرهاب وقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، مما جعل النصوص متداخلة ومتناقضة. وهناك تشريعات كان يجب أن تسبق قانون جرائم المعلوماتية مثل: قانون التعاقد الإلكتروني، وقانون التوقيع الإلكتروني، وتنظيم عمل مقاهي الإنترنت التي انتشرت في العراق بعد عام 2003.
لقد أغفلت المسودة مسؤولية الحدث، سيما وأن أغلب مستخدمي الإنترنت صغار السن وهم ضحية هذه الجرائم، كما أن مبالغ الغرامات مبالغ فيها ولم يحدد القانون طريقاً للتعامل مع حالات العجز عن دفعها. بالإضافة إلى ذلك، برزت إشكالية الاختصاص القضائي في حال ارتكاب الجرائم عبر الإنترنت من خارج العراق، خاصة وأن العراق لم ينضم للاتفاقيات الدولية ذات الصلة. كما خلت المسودة من الأعذار المخففة للجهل بالاستخدام، وتم ترحيل عقوبة المصادرة إلى الأحكام الختامية بدلاً من الأحكام العقابية، فضلاً عن ركاكة الصياغة اللغوية التي احتوت على عبارات "نهايات مفتوحة" مثل عبارة "بأي وسيلة أخرى مشابهة" في المادة (1).
مقترحات د. علي حاكم الكرعاوي لتعديل المسودة:
تبويب النصوص العقابية: بما يشمل الجرائم الماسة بأمن الدولة، والجرائم الماسة بسلامة الإنسان وحريته (كالتهديد والتشهير).
تخفيض الغرامات: مراجعة العقوبات المالية المغالى فيها وتخفيضها.
مسؤولية الأحداث والمقاهي: وضع ضوابط لإلزام مقاهي الإنترنت ومقدمي الخدمة بتسجيل بيانات المستخدمين الحقيقية، وإلزام مسؤولي المواقع التي تستخدم (البروكسيات) بذلك.
محاكم متخصصة: إنشاء محكمة مختصة بنظر هذه الجرائم، ومركز تحقيق مختص في كل محافظة وقضاء عراقي.
إعادة الصياغة اللغوية: تنقيح المواد القانونية المبهمة والمتناقضة لتسهيل تطبيقها قضائياً.
الأعذار المخففة: التأكيد على النص على أعذار مخففة للعقاب نظراً لضعف الوعي التقني لدى الكثير من المستخدمين.
الاختصاص القضائي: تحديد محكمة تحقيق مختصة لا تقتصر على جنايات أو جنح الرصافة، لتتناسب مع طبيعة التحقيق الخاصة في هذه الجرائم.
الشخص المعنوي: مراجعة المادة (28/أولاً) لضمان توافقها مع القوانين النافذة وعدم مخالفتها للمنطق التشريعي.
حماية الدستور: تعديل المادة (21/ثالثاً) وما شابهها لضمان عدم تعارضها مع المادة (38) من الدستور العراقي الضامنة لحرية الرأي والتعبير.
عدالة العقوبة: رفع عقوبة البائع لتاجر الأجهزة الإلكترونية لعدم وجود علاقة قانونية أو صلة مباشرة بين التاجر ومستخدم الجهاز في الجريمة.
إن القراءة المتأنية لهذه المسودة تكشف عن ثغرات عديدة تتطلب معالجة جادة لنصل إلى تشريع عادل ومنضبط يواكب العصر.









