​من "صوت القائد" إلى واقع الأرض.. عثمان الشويخ يكتب: أعظم المعارك هي التي تنجح الدولة في منعها قبل أن تبدأ

​من "صوت القائد" إلى واقع الأرض.. عثمان الشويخ يكتب: أعظم المعارك هي التي تنجح الدولة في منعها قبل أن تبدأ


بقلم الكاتب والباحث القانوني عثمان الشويخ

​في الموروث الشعبي لبلادنا في الصعيد يضربون مثلاً بليغاً عن الفارق بين الذكاء العادي والعبقرية الاستراتيجية فيقولون إن هناك من يفخر بوالده لأنه يمتلك القدرة على حل أي مشكلة معقدة ومخبلة بعد وقوعها بينما يرى الآخر أن والده أفضل وأعظم لأنه يمتلك من بعد النظر والحكمة ما يجعله يحل المشكلة ويمنعها قبل أن تتعقد وتتخبل أصلاً وتفرض نفسها كأمر واقع
​وهذا المثل يتطابق تماماً مع العقلية الإستراتيجية للقيادة السياسية المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أثبت أنه من أعظم القيادات التي حكمت مصر في العصر الحديث بالنظر إلى كم وحجم وطبيعة المخاطر الوجودية التي حاصرت الدولة المصرية من الجهات الأربع من الشرق والغرب والشمال والجنوب
​ورغم كم الأزمات الاقتصادية العنيفة وممارسة الضغوط المادية الرهيبة لابتزاز الموقف المصري إلا أن الدولة لم تخضع ولم تنحن وتصدت بكل صلابة ووعي لأخطر مخططات القرن وهو محاولة تهجير الفلسطينيين من غزة وتصفية القضية الفلسطينية حيث رفضت مصر فكرة التهجير من الأساس وليس فقط التهجير إلى سيناء لتؤكد أن القضية لن تموت على حساب مصر أو أي دولة أخرى
​وهو الموقف التاريخي الذي شهدناه جميعاً وتوج بتوقيع اتفاق شرم الشيخ بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة الدول الكبرى ليقف القائد عبد الفتاح السيسي حاملاً أمانة وطن وهو ما جسدته سابقاً في كلماتي بأغنية صوت القائد حين كتبت كلمة السيسي لينا هي خارطة طريق فيها النصر والنجاة وقت الشدة والضيق آمنوا بيها وبكرة أحلى والنجاح لينا أكيد
​واليوم والمنطقة تشهد نهاية الحرب الإقليمية الكبرى الدائرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وتوقيع اتفاقيات التفاهم تظهر الأيام صدق هذه الرؤية المستبقة للأحداث

ليست كل الانتصارات تقاس بعدد الصواريخ فهناك دول تربح الحرب لأنها لم تدخلها أصلاً وفي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تحبس أنفاسها بين نار أمريكية وتصعيد إسرائيلي وردود إيرانية مفتوحة على كل الاحتمالات وبعد التمسك الإيراني بضم لبنان في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية جاء تفاعل الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان الإيجابي وحرصه على التوصل لتفاهمات توافقية مع الولايات المتحدة الأمريكية بمثابة نقطة تحول رئيسية نحو التهدئة لتجد إسرائيل نفسها فجأة خارج الحسابات والرعاية الأمريكية المطلقة
 وتتحرك الدول كباكستان وقطر وباقي أطراف الرباعية ممثلة في المملكة العربية السعودية وتركيا لتأكيد الالتزام بحل النزاع عبر جهود الوساطة الصادقة والبناءة والتنسيق الإقليمي الكامل

 بينما كانت مصر تتحرك بطريقة مختلفة تماماً لا تصرخ ولا تلوح ولا تستعرض القوة أمام الكاميرات لكنها كانت تفعل ما هو أخطر من الحرب نفسها وهي أنها تمنعها وتقرأ تحولات المصالح الدولية التي تثبت أن الرهان على القوى الخارجية هو رهان خاسر

​وسط ضجيج السلاح اختارت القاهرة أن تتحدث بلغة لا يفهمها إلا الكبار لغة الدولة التي تعرف متى تصمت ومتى تتحرك ومتى تمنع الانفجار قبل أن يسمع العالم صوته والرئيس عبد الفتاح السيسي لم يتعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد صراع بعيد عن الحدود المصرية بل باعتبارها اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية المنطقة كلها من الانهيار
​فحين تتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصدام لا يبقى أحد خارج الخطر ولا تبقى دولة بمنأى عن التهديدات الاقتصادية والأمنية والإنسانية ولهذا لم تدخل مصر الحرب لكنها دخلت ما هو أصعب وهو معركة منع الحرب
​تحركت القاهرة في المساحة التي لا تستطيع الجيوش الوصول إليها مساحة الاتصالات الهادئة والرسائل غير المعلنة والضغوط الدبلوماسية الذكية والتوازن الدقيق بين حماية الأمن القومي المصري والحفاظ على استقرار المنطقة
​وفي الوقت الذي كان البعض يراهن فيه على اتساع دائرة النار كانت مصر تراهن على أن العقل يمكن أن ينتصر وأن الدولة التي تمتلك الحكمة تستطيع أن تحقق ما لا تحققه حاملات الطائرات
​وهنا يظهر الانتصار الحقيقي في أن تخرج مصر من واحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط وهي أكثر قوة وأكثر احتراماً وأكثر حضوراً في حسابات العالم فالدول الكبرى قد تملك السلاح لكن الدول العظيمة وحدها هي التي تملك القدرة على إيقافه وصناعة خريطة طريق تحمي الهوية العربية
​وهكذا تثبت مصر مرة أخرى أن قوتها ليست فقط فيما تملكه من جيش ومؤسسات بل فيما تملكه من عقل سياسي وإرادة سيادية تعرف أن أعظم المعارك أحياناً هي تلك التي تنجح الدولة في منعها وحسمها قبل أن تبدأ ليظل صوت القائد هو صوت النجاة في وقت الشدة والضيق وصمام الأمان لأمة طالما لبت نداء الحق والنصر بإذن الله
​حفظ الله مصر وشعبها وجيشها وقيادتها السياسية الحكيمة