​حكايات الشويخ - الحكاية الرابعة عشر: كاشف الأقنعة وأمين السر حذيفة بن اليمان

​حكايات الشويخ - الحكاية الرابعة عشر: كاشف الأقنعة وأمين السر حذيفة بن اليمان

القسم الثاني: نجوم في سماء الصحابة
بجريدة الأنباء الدولية
بقلم: عثمان الشويخ

​يا أهلاً بيكم في الحكاية الرابعة عشر من حكايات الشويخ. 
حكايتنا اليوم عن الرجل المخابراتي الأول في الإسلام، صاحب الفراسة التي كانت تخترق النفوس وتكشف المستور قبل أن ينطق به، حكايتنا عن الرجل الذي ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم على أخطر سر في المدينة المنورة قائمة المنافقين. 
ورغم عظمة دوره إلا أن الكثير منا يجهل تفاصيل سيرته التي هي في الحقيقة منهج حياة، وذلك هدفنا في هذه السلسلة؛ إعادة إحياء ذكر هؤلاء العمالقة الذين حفظوا للأمة الإسلامية دينها ووعيها.
​من هو حذيفة بن اليمان؟

 هو حذيفة بن اليمان العبسي، صحابي جليل، ولد بمكة وعاش بالمدينة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه جداً ويثق في رجاحة عقله، لدرجة إنه أعطاه قائمة بأسماء المنافقين في المدينة، وهو السر الذي لم يطلع عليه أحد حتى أقرب الصحابة. 
روي عن سيدنا حذيفة أحاديث كثيرة جداً عن الفتن، وكان دائماً يقول كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.

​ومن عجائب سيرة سيدنا حذيفة بن اليمان إنه لم يشارك في غزوة بدر، والسبب يكشف لنا عن معدن الرجال؛ حيث وقع هو ووالده اليمان في أسر كفار قريش أثناء توجههما للمدينة، وأخذ المشركون عليهما عهداً وميثاقاً بالله ألا يقاتلا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وعندما أخبرا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، أمرهما بالوفاء بالعهد والرجوع إلى المدينة قائلاً: نستعين الله عليهم ونفي بعهدهم. ومن هنا تعلم سيدنا حذيفة أن صدق الكلمة والوفاء بالمواثيق هو ما يصنع هيبة المسلم الحقيقية.

​وفي غزوة أُحد، واجه حذيفة اختباراً إيمانياً يهز الجبال؛ والده اليمان كان شيخاً كبيراً ودخل المعركة شوقاً للشهادة، وفي زحمة القتال واختلاط الصفوف، وقع اليمان تحت أسياف المسلمين خطأً وهم لا يعرفونه.
 سيدنا حذيفة رأى السيوف وهي تطول والده فصرخ بكل قوته: أبي.. أبي يا عباد الله إنه أبي لكن أمر الله كان قد نفذ. 
الموقف كان يمكن أن يولد غضباً، لكن حذيفة نظر لإخوانه المذهولين وقال بكل تسامح
 يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين. ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفع الدية له، تصدق بها حذيفة على المسلمين، فازداد حباً وتقديراً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

​وتتجلى عبقرية سيدنا حذيفة الاستخباراتية في غزوة الخندق. في ليلة شديدة البرد والريح، طلب النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يذهب وسط جيش المشركين ويأتيه بخبرهم، فدعا حذيفة باسمه. يحكي سيدنا حذيفة عن معجزة حدثت له؛ إنه بمجرد أن تحرك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، شعر بدفء غريب في جسمه كأنه يمشي في حمام دافئ والمقصود هنا الدفء الشديد الذي يذهب أثر البرد. 
دخل وسط عسكر المشركين وجلس بينهم، ولما صرخ أبو سفيان لينظر كل منكم من جليسه، سارع حذيفة بذكاء وأمسك يد الرجل الذي بجانبه وسأله
 من أنت؟
 قبل أن يسأله أحد، وبذلك حمى نفسه وجاء بالخبر اليقين للنبي صلى الله عليه وسلم.

​ولأن حذيفة كان يمتلك رؤية ثاقبة، لم ينتهِ دوره بانتهاء المعارك، بل امتد لحماية القرآن الكريم. أثناء فتوحات أرمينية، لاحظ سيدنا حذيفة اختلاف المسلمين في القراءات لدرجة النزاع، فذهب فوراً للخليفة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وقال جملته التي أنقذت الأمة: أدرك هذه الأمة يا أمير المؤمنين، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. وبسبب هذه اليقظة، تم توحيد المصحف الشريف ليظل دستور الأمة واحداً للأبد. 

وعندما ولاه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إمارة المدائن، استقبله أهلها وهو يركب حماره ويأكل رغيفاً وملحاً بتواضع شديد. سيدنا حذيفة علمهم درساً في الوعي وقال لهم: إياكم ومواقف الفتن، ولما سألوه عنها قال

 أبواب الأمراء؛ يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويمتدحه بما ليس فيه. ظل سيدنا حذيفة ولياً عادلاً وقائداً ميدانياً، وتوفي بعد استشهاد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بأربعين ليلة.

​هدفنا من حكاية اليوم عن سيدنا حذيفة هو التأكيد على أن الحرب اليوم أصبحت حرب معلومات وحرب عقول. العدو الصهيوني وحلفاؤه في الغرب يحاولون تغييب وعينا بمسميات جديدة واتفاقيات وهمية، وحذيفة بن اليمان يعلمنا أن نكون يقظين، نعرف المنافقين من لحن قولهم وأفعالهم وليس من الشعارات التي يرفعونها.

 ياريت كل واحد فينا يكون حذيفة في بيته ومجتمعه؛ يكشف الأكاذيب التي تنشرها الآلة الإعلامية الغربية المضللة، ويحافظ على أسرار وتماسك أمته.

 سيدنا حذيفة علمنا أنه ليس كل ما يلمع ذهباً، ولا كل من يطالب بالسلام هو فعلاً يريد السلام.. 
الوعي هو سلاحك الوحيد كي لا تخدعك الأقنعة التي تتحرك حولنا اليوم.
 كن صاحب العين التي تبصر الحقائق خلف الزيف والقلب الذي يحفظ ثوابت الأمة وأسرارها، فالوعي هو حصننا الحصين ضد كل من يحاول العبث بهويتنا ومستقبلنا.

​هذا ما وفقني الله لجمعه وترتيبه، فإن أصبت فمن فضل الله وتوفيقه، وإن زل القلم فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله من كل سهوٍ أو نسيان.

​رمضان مبارك عليكم، واستنونا في الحكاية الجاية من حكايات الشويخ.