حكايات الشويخ الحكاية السابعة والعشرون محمد الفاتح صاحب البشارة الذي روّض المستحيل وأذلّ أسوار التاريخ
القسم الثالث عظماء في التاريخ الإسلامي
بجريدة الأنباء الدولية
بقلم عثمان الشويخ
أهلاً بكم في الحكاية السابعة والعشرين من حكايات الشويخ اليوم نقف أمام العظمة في أبهى صورها أمام الشاب الذي هزّ عروش القياصرة وهو لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره إننا نتحدث عن السلطان الملقب ب محمد الفاتح هو السلطان محمد بن السلطان مراد الثاني أحد أقوى سلاطين الدولة العثمانية قاطبة وأكثرهم هيبة ومجداً الرجل الذي لم يفتح مدينة فحسب بل فتح عصراً جديداً للتاريخ وأغلق صفحة العصور الوسطى بضربة سيفه وعبقرية عقله
بدأت قصة الفتح قبل ميلاد محمد الفاتح بثمانية قرون حين نطق الصادق المصدوق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالبشرى التي زلزلت قلوب الصحابة لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش
هذه الكلمات كانت الوقود الذي حرك جيوش المسلمين عبر العصور فخرج الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري وهو في الثمانين من عمره ليُدفن تحت أسوارها طمعاً في شرف هذه البشارة تاركاً خلفه رسالة للأجيال إن هذا الحصن سيسقط يوماً بوعي وعزيمة جيش لا يعرف الهزيمة
لم يولد محمد فاتحاً بمحض الصدفة بل صُنع على عين شيخه ومربيه العظيم آق شمس الدين كان الشيخ يأخذ الطفل محمد إلى ساحل البحر ويشير بيده إلى أسوار القسطنطينية العاتية ويقول له بلهجة الواثق أبشر يا محمد أنت هو ذاك الأمير الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم غرس فيه شيخه أن البشارة تحتاج إلى إعداد فتعلم محمد ست لغات وبرع في الرياضيات والفلك وهندسة المدافع حتى صار عقله يسبق زمانه بقرون لقد كان آق شمس الدين هو بوصلة الوعي التي وجهت طاقة الفاتح نحو الهدف الأسمى رداً على كل من يحاول اليوم إقناع شبابنا بأن النجاح صدفة أو ضربة حظ
تقلبات الحكم مدرسة الصبر والشدائد
مرّ محمد الفاتح باختبارات قاسية تولى الحكم وهو طفل في الرابعة عشرة ثم عُزل ليعود والده السلطان مراد ثم عاد للحكم نهائياً بعد وفاة والده هذه التقلبات صقلت شخصيته وعلّمته أن الكرسي تكليف وليس تشريفاً وأنه لكي يقود الأمة للفتح عليه أولاً أن يقود نفسه للثبات والزهد
وكما حذرنا في حكايات الشويخ دائماً من طابور الخونة واجه الفاتح خيانة أورخان جلبي حفيد سليمان جلبي وأحد أفراد البيت العثماني الذي هرب إلى القسطنطينية وارتضى أن يكون خنجراً في يد البيزنطيين ضد بني جلده مقابل حفنة من الدنانير كان أورخان ورقة ضغط يبتز بها الإمبراطور البيزنطي الدولة العثمانية وكان يقاتل بالفعل إلى جانب البيزنطيين فوق أسوار المدينة ضد جيش المسلمين ولكن السلطان محمد الفاتح لم ينحنِ للابتزاز وبعد الفتح العظيم حاول أورخان الهرب متخفياً بزي راهب لكن تم القبض عليه ونال جزاءه العادل بالإعدام ليعلم العالم أن من يتحالف مع أعداء الأمة ضدها لا مكان له في تاريخ الشرفاء
زلزال ملاذ كرد الثانية كما يطلق عليها السفن التي سخرت من البحر حين استعصى خليج القرن الذهبي ب سلاسله الحديدية الضخمة لم يستسلم الفاتح قام بابتكار عسكري أذهل العقول حيث نقل سبعون سفينة عبر اليابسة فوق الجبال المدهونة بالزيت في ليلة واحدة ليفاجئ الروم داخل مينائهم وبقوة مدافع أوربان العملاقة التي صممها بنفسه سقطت القسطنطينية المدينة التي لا تسقط في تسعة وعشرين مايو ١٤٥٣م وتحول حلم الثمانية قرون إلى واقع يكبر فيه المسلمون داخل آيا صوفيا
ما بعد الفتح تطهير الأرض من الظلام
لم تتوقف همة الفاتح ففتح طرابزون وضم البوسنة لنور الإسلام واصطدم بالشر المطلق المتمثل في فلاد دراكولا المخزوق في رومانيا ذلك المجرم الذي كان يتلذذ بتعذيب البشر بوضعهم فوق الخوازيق فكسر الفاتح شوكته وطهر الأرض من رجسه ليثبت أن الفتح الإسلامي هو رحمة تخلص الشعوب من الطغاة
النهاية الغامضة حلم روما الغائب في سن التاسعة والأربعين وبينما كان يجهز جيشه لغزو الفاتيكان في إيطاليا لتحقيق البشارة الثانية بفتح روما رحل السلطان محمد الفاتح فجأة و يُرجح بعض المؤرخين سبب وفاته أنها كانت بالسم على يد طبيب مدسوس حينها دقت أجراس الكنائس في أوروبا فرحاً وهتف البابا مات العقاب الكبير مات الفاتح قبل أن تطأ خيوله ساحة القديس بطرس لكنه ترك خلفه أمة تدرك أن الطريق إلى روما يبدأ بوعي شبابها
الرسالة والخاتمة
إننا نحكي قصة الفاتح اليوم لنقول لترامب وللصهاينة وكل من يتباهى بأسواره وأسلحته إن أسوار القسطنطينية كانت أقوى من أسلحتكم في زمانها لكنها سقطت أمام إرادة شاب آمن بربه وبحق أمته إن تزييف الوعي الذي يمارسه الإعلام الغربي ليصور لنا أن الغلبة دائماً للمحتل يتحطم تحت أقدام محمد الفاتح
إن رسالتي من وراء هذه الحكاية هي أن يستيقظ الفاتح الموجود داخل أبناء وبنات أمتنا ليعلموا أن البشارة لا تزال تنتظر من يستحقها وأن العلم والعدل ومحاربة الخونة هي المنجيات الوحيدة في هذا الزمان إننا نبني بذكراهم وعينا الحاضر لنصنع مستقبلاً يليق بأحفاد الفاتحين
رمضان مبارك عليكم وانتظرونا في الحكاية القادمة من حكايات الشويخ





