جريدة الأنباء الدولية باب: أقمار الطف
سلسلة أقمار الطف: أصحاب الإمام الحسين
الحلقة الثامنة والأخيرة: الحُرّ بن يزيد التَميمي.. مسك ختام السلسلة والعبور الأعظم
بقلم الكاتب والروائي: عثمان الشويخ
حين تقف مسيرة الأيام عند محطات النور الخالدة، تجد أن بعض النهايات تأتي لتكون مسك الختام والدرة التي تزيّن العقد كله.
وها نحن اليوم، في ختام رحلتنا المباركة عبر سلسلة "أقمار الطف" في جريدة الأنباء الدولية، نقف أمام الحلقة الثامنة والأخيرة، والتي أردناها أن تكون من أقوى الحلقات وأعمقها أثراً؛ لنروي معاً قصة الفارس الذي اختار بقرارٍ شجاعٍ واحد أن يختم هذه السلسلة بملحمة من التوبة الخالصة واليقين المطلق.. إنه الحر بن يزيد التميمي.
الجذور العريقة والمسار المحتوم
لم يكن "الحر بن يزيد الرياحي" رجلاً عادياً؛ فقد وُلِد في بيت تشرق في سمائه شموس العز والشرف والبطولة، متنقلاً من أعماق قبيلة تميم العريقة التي حفل تاريخها بالمآثر الجليلة.
وقد ساقت الأقدار خطاه ليكون في بداية الأمر قائداً لكتيبة من جيش ابن زياد، وُكلت إليه مهمة اعتراض طريق الإمام الحسين عليه السلام ومنعه من التقدم أو الرجوع.
من لقاء العطش إلى كشف الحقائق
منذ اللقاء الأول في الصحراء، تجلت إنسانية الإمام الحسين ورفعة أخلاقه؛ حين أضر العطش بركب الإمام وأصحابه، وصل الحر بن يزيد وجيشه وهم يتقطّعون عطشاً، فأمر الحسين أصحابه أن يسقوا الحر وجيشه وخيولهم عن آخرهم في تلك الصحراء القاحلة، وحين حان وقت الصلاة، رفض الحر أن يصلي بمعزل وقال للإمام بكل احترام: "لا، بل نصلي بصلاتك".
وحين دار الحوار بينهما، طلب الإمام الحسين من الحر أن ينصف الحق، منكرًا ما صدر من أهل الكوفة من كتب ورسائل، وعندما استفسر الحر، أخرج عقبة بن سمعان خرجين مملوئين بالكتب والرسائل التي تضم أكثر من مئتي ألف مخطوطة ورسالة من أهل الكوفة يقولون فيها: "ليس علينا أمير فاقدم".
ورغم ذلك، حاول الحر أن يجد مخرجاً يحقن الدماء، فطلب منه الإمام الحسين الخيارات، ورأى الحر إصرار القوم ورفضهم لكل الحلول السليمة حين منعوا الماء عن الحسين وعياله، ورفضوا أن يتركوه يرجع من حيث أتى أو يذهب إلى أي ثغر من ثغور المسلمين أو يرجع إلى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان في الشام.
شرارة التحول ومواجهة شمر
وفي غمرة التوتر، مرّ به "شمر بن ذي الجوشن" متهكماً ومستفسراً عما يفعله وسائلاً إياه: "إلى أين أنت ذاهب؟"، فرد الحر بثبات: "أنا ذاهب إلى الحق.. ذاهب إلى الحسين".
فقال له شمر مسخراً ومحذراً: "سيكون مصيرك مثل مصيره!"، فلم يتردد الحر في الرد عليه بكل عزة ورفض للظلم قائلاً: "أتهددني بالموت يا عدو الله؟! والله ما كنت أحلم أن يكون مصيري مثل مصير سيد شباب أهل الجنة!".
لما وصل الجيش بقيادة عمر بن سعد إلى أرض كربلاء، وأسفر الأمر عن وجهه القبيح حين أعلن ابن سعد إصراره على القتال غير آبه بقرابة الحسين، أخذ الحر يرتجف هولاً مما سمع، وسار نحو المشرعة مُطرقاً مفكراً، فسأله المهاجر بن أوس: "إن أمرك لمريب، والله لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الذي أراه منك؟"، فأجابه الحر: "إني أخير نفسي بين الجنة والنار، والله لا أختار على الجنة شيئاً ولو أحرقت".
التوبة الكبرى ووسام الخلود
توجه الحر نحو معسكر الإمام الحسين منكسراً حياءً، ووقف أمامه بكلمات تفيض ندماً:
— "جعلت فداك يا ابن رسول الله.. أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وأنا الذي أوقفتك في هذا المكان.. والله ما ظننت أن القوم يردون ما عرضت عليهم، ولو علمت أنهم يبلغون منك هذا المبلغ ما أطعتهم في شيء.. فهل لي من توبة؟"
فأتاه الجواب بفيض الرحمة من الإمام:
— "نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك.. فنعم الرجل أنت، أنت الحر كما سمتك أمك حراً في الدنيا سعيداً في الآخرة!" وحين سأله الحر بقلب المستعد للتضحية عما إذا كان سالماً إن عاش يومه، أجابه الحسين بصدق اليقين: "بل أنت ميت وإنهم ميتون".. فابتسم الحر وقال: "إذن لا علينا أن نموت شهداء!".
برز بعدها الحر إلى صفوف القوم الذين غرتهم الدنيا، يوبخهم بلغة الفارس الأبي على قطعهم الماء ومنعهم لاهل بيت رسول الله، وانقض كالليث يدافع عن خيام الحسين، مرتجزا أبياته الشهيرة التي تعلن براءة العهد وثبات الموقف:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى.. إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما
حتى استشهد مقبلاً غير مدبر.
إن دقيقة واحدة من ترك معسكر الباطل والانحياز للحق كانت كافية للحسين لتصنع من الحر أسطورة في الضمير الإنساني.. وفي المقابل، كم من مواقف في حياتنا تحتاج إلى مثل هذا القرار الشجاع النقي لتكون مسك الختام
وختاماً، فقد بذلت قصارى جهدي في تقديم هذه السلسلة وتحري دقائقها، فما كان من توفيق فمن الله سبحانه وتعالى وحده، وما كان من نقص أو سهو أو تقصير فمني ومن الشيطان.
بهذه الحلقة المضيئة نختتم سلسلتنا "أقمار الطف" عبر صفحات جريدة الأنباء الدولية، على أمل اللقاء بكم في محطات فكرية وتاريخية جديدة.. دمتم في حفظ الله ورعايته.









