حكايات الشويخ - الحكاية الحادية والعشرون: "القاضي الفاضل.. مهندس النصر وعقل الدولة"
القسم الثالث: عظماء في التاريخ الإسلامي
بجريدة الأنباء الدولية
بقلم: عثمان الشويخ
أهلاً بكم في الحكاية الحادية والعشرون من حكاياتنا الرمضانية.. اليوم نبدأ القسم الثالث من "حكايات الشويخ" بجريدة الأنباء الدولية، بدخول منطقة (عظماء في التاريخ الإسلامي). وكما تعهدنا معكم، سنسلط الضوء على هؤلاء العظماء الذين قدموا للتاريخ الكثير ولكن يجهلهم الكثير منا. ونحن في أمسّ الحاجة في مثل هذه الأيام، مع ما تتعرض له الأمة العربية والإسلامية من تهديدات ومخاطر وجودية، أن نبحث في ماضينا لنستشرف مستقبلنا.
دائماً حين نتذكر تحرير القدس، أول اسم يتبادر إلى أذهاننا هو السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، وهذا حق بلا شك، لكن ليس من الحق أن ننسى "العقل المدبر" والمهندس الذي بنى أركان هذه الدولة من وراء الستار. حكايتنا اليوم عن الرجل الذي قال عنه صلاح الدين شخصياً جملة تهز أركان التاريخ: (لا تظنوا أني ملكت البلاد بسيوفكم، بل ملكتها بقلم القاضي الفاضل).
إنه عبد الرحيم البيساني، المعروف بـ (القاضي الفاضل). هذه الشخصية هي المثال الحي لما نحاول إيصاله في سلسلة حكاياتنا؛ وهو أن العظمة ليست مجرد قوة بدنية أو مواجهات عسكرية فحسب، بل العظمة هي (فكر وقلم وذكاء إداري). القاضي الفاضل لم يكن قائد جيش يحمل السيف، لكنه كان الوزير والمستشار والمحرك لكل الأحداث العظام. هو الذي نظم إدارة مصر، وهو الذي كان يكتب الرسائل التي تجمع شمل الأمة المشتتة في وقت كانت فيه القلوب متفرقة، لدرجة أن أسلوبه في الكتابة أصبح مدرسة مستقلة في تاريخنا الأدبي والسياسي.
وهنا يجب أن نقف أمام معنى مهم جداً؛ وهو أننا أحياناً نظن أن البطل يجب أن يكون فرداً وحيداً، لكن الحقيقة أن النجاح الكبير دائماً ما تقف خلفه (منظومة) متكاملة. لقد كان صلاح الدين يدرك قيمة العلم، ويعلم أن السيف وحده لا يبني دولة مستقرة، فكان القاضي الفاضل هو المهندس الذي يبني المؤسسات، والوزير الذي يدير الموارد للجيش، والعالم الذي يثبت أقدام الناس بالعلم والحكمة.
تخيلوا أن القاضي الفاضل، رغم انشغاله الشديد بإدارة شؤون الدولة، أسس في القاهرة (المدرسة الفاضلية) وبنى فيها مكتبة ضخمة كانت تضم أكثر من مائة ألف كتاب! هذا الموقف يرسل رسالة لشبابنا بأن القوة الحقيقية تبدأ من المعرفة والوعي. هذا هو النموذج الذي نفتقده اليوم؛ المفكر الذي يسند القائد، والاثنان هدفهما واحد وهو رفعة بلدهما ودينهما.
إننا نستحضر سيرة القاضي الفاضل لنقول لكل شاب: ليس بالضرورة أن تكون بطلاً في ميدان المعركة لتخدم مجتمعك، بل يمكنك بذكائك، وبتفوقك في مجالك، وبقلمك، وبإخلاصك، أن تكون أنت "المهندس" الذي يبني جيل النصر القادم. وللاطلاع على مرويات ذكاء القاضي الفاضل ودوره العظيم في تاريخ مصر، ندعوكم للبحث في سيرته العطرة.
رمضان مبارك عليكم، وبذلك نكون قد استفتحنا قسمنا الجديد.. انتظرونا في حكايات أخرى ومفاجآت أكثر من "حكايات الشويخ".





