حكايات الشويخ - الحكاية الرابعة والعشرون: ألب أرسلان.. السلطان الذي لبس كفنه لكسر غطرسة القوة
القسم الثالث: عظماء في التاريخ الإسلامي
بجريدة الأنباء الدولية
بقلم: عثمان الشويخ
أهلاً بكم في الحكاية الرابعة والعشرين من حكايات الشويخ.
اليوم نتحدث عن شخصية تجسد معنى الصمود الوجودي أمام القوى التي تظن أنها لا تُقهر.
إننا نتحدث عن السلطان السلجوقي ألب أرسلان ضياء الدين والدنيا وعضد الدولة ابو شجاع أو الأسد الباسل
كما يعني اسمه بالتركية الرجل الذي واجه أكبر إمبراطورية في عصره بقلب مؤمن محطماً بذلك مشروع التوسع الذي كان يستهدف استئصال الوجود الإسلامي من الجذور.
لماذا نكتب عن ألب أرسلان اليوم؟
لأننا نعيش في زمن تتباهى فيه القوى الصهيونية والأمريكية بترسانتها العسكرية وتحاول ترهيب شعوبنا بـتزييف الوعي وإيهامنا بأن المقاومة مستحيلة.
إن ما نشهده اليوم من غطرسة وما نراه من تصريحات (ترامب) التي يتباهى فيها بامتلاك أقوى جيش وأفتك أسلحة في العالم مسوّقاً لنفسه والعياذ بالله بلسان حال يقول: أنا ربكم الأعلى ليس إلا تكراراً لغرور (رومانوس) قديماً.
ولكن التاريخ يخبرنا أن لكل عصر رومانوس يغره سلاحه وفي المقابل يوجد في كل عصر ألب أرسلان يستمد قوته من الله سبحانه وتعالى رب السماوات والأرض ليثبت أن قوة المحتل هي أول ما يتحطم تحت أقدام المؤمنين بحقهم
من هو الأسد الباسل ألب ارسلان ؟...
هو محمد بن داود بن ميكائيل الملقب بسلطان العالم والملك العادل.
ولد في عام ١٠٢٩م
ونشأ في بيت علم وجهاد ضمن قبائل الغز التركمانية.
لم يكن طريق السلطنة مفروشاً بالورود فبعد وفاة عمه طغرل بك وبمعونة وزيره الحكيم نظام الملك خاض ألب أرسلان معارك ضارية لتثبيت أركان الدولة وتوحيد البيت السلجوقي من الداخل لإيمانه بأن الجبهة الممزقة لا يمكنها مواجهة عدو خارجي.
واستطاع في سنوات قليلة أن يمد نفوذه من أقاصي بلاد ما وراء النهر إلى قلب الشام معلناً ولاءه التام للخلافة العباسية ليعيد للدولة هيبتها وشرعيتها.
لقد كان الب ارسلان يمثل طوق النجاة للخلافة العباسية حيث قضى السلاجقة تحت قيادته على النفوذ البويهي
قبل أن يذهب لمواجهة الروم اتبع السلطان إستراتيجية واضحة من ثلاثة محاور:
أولاً تصفير المشاكل مع الخلافة العباسية
وثانياً نشر الثقافة المعرفية
وثالثاً تحويل فائض القوة العسكرية للجهاد الخارجي.
ففتح أرمينيا وجورجيا وأجبر الدولة المرداسية في حلب على العودة للمذهب السني وإقامة الدعوة للخليفة العباسي مدركاً أن العدوان الخارجي يتغذى على الثغرات الداخلية.
ملاذكرد.. حين يتحدث الإيمان أمام السلاح
في عام ١٠٧١م تحرك الإمبراطور البيزنطي رومانوس بجيش ضخم وكبير يُقدر بمئات الآلاف مدججين بأحدث أسلحة ذلك الزمان.
عرض ألب أرسلان الهدنة حقناً للدماء فتكبر الإمبراطور بلسان يشبه لغة الابتزاز الدولي اليوم وقال: لا هدنة إلا في الري (عاصمة دولة السلاجقة).
هنا تجلى معدن القائد ففي يوم الجمعة لبس ألب أرسلان ثياباً بيضاء وقال لجنوده هذا كفني وصلّى وبكى
ثم امتطى جواده وعقد ذيله بيده في إشارة للاستماتة.
هذا الموقف حوّل ١٥ ألف مقاتل إلى إعصار بشري حطم الغرور البيزنطي وانتهت المعركة بأسر الإمبراطور نفسه.
وفي لحظة النصر سأله ألب أرسلان ماذا كنت ستفعل لو كنت أنا الأسير؟
فقال رومانوس ربما أقتلك أو أعرضك في شوارع القسطنطينية.
فرد عليه السلطان بأخلاق الفرسان عقابي لك أثقل سأسامحك وأطلق سراحك.
فك السلطان قيوده بيده وعامله بكرامة في درس بليغ لمن يقيمون اليوم سجوناً للإهانة والتعذيب مثل أبو غريب وغوانتنامو والسجون الإسرائيلية
وكما في كل عصر حيث لا يجد العدو سبيلاً لكسر القائد في الميدان يلجأ إلى سلاح الخونة.
ففي عام ١٠٧٢ م وبعد عام واحد فقط من انتصار ملاذكرد
وبينما كان السلطان يواصل فتوحاته غدر به رجل يدعى يوسف الخوارزمي
الذي تظاهر بالاستسلام ثم استل خنجراً مسموماً وطعن به السلطان طعنة أودت بحياته.
إن هذا الغدر يفتح أعيننا على حقيقة مرّة وهي أن طابور الخونة والعملاء موجود في كل زمان ومكان.
هم أولئك الذين يبيعون أوطانهم ورموزهم بفتات الموائد والذين لا يملكون شجاعة المواجهة وجهاً لوجه فيلجأون لطعن الظهر.
إن تاريخنا لم يُهزم يوماً بقوة الأعداء فقط بل كُسر أحياناً بأيدي المنبطحين والعملاء الذين يمهدون الطريق للمحتل ويغدرون بالرموز التي ترفض الانكسار.
رحل ألب أرسلان بجرحه لكنه ترك خلفه تاريخاً عريقاً ومدرسة في العزة.
كان يتصدق في كل رمضان ب 15 ألف دينار
ويُقرأ عليه تواريخ الملوك وأحكام الشريعة.
ويذكر التاريخ قول أحد الفقهاء له أحمد الله فهذا النهر لم يقطعه قط تركي إلا مملوك وأنتم اليوم قطعتموه ملوكاً فحمد الله على انتقال الأمة من "المملوكية إلى الملوكية.
كان حريصاً على أن ينتقل شعبه من المملوكية إلى الملوكية بالكرامة.
رحل الأسد وبقيت ذكراه مصباحاً لكل ثائر على الظلم.
إن رسالتي من وراء هذه الحكايات ليست مجرد سردٍ للماضي بل هي محاولة لغرس جذور العزة في نفوس أبنائنا وبناتنا ليعلموا أن تاريخهم مليء بالكنوز التي تغنينا عن الانبهار بزيف الآخرين.
إننا نبحث في سير هؤلاء العظماء لنبني بها حاضرنا ونرسم طريق مستقبلنا مؤمنين بأن الأمة التي تجهل رموزها تظل تائهة في دروب التبعية وما هذه الكلمات إلا مصابيح نوقدها لتنير عقول الأجيال القادمة وتكشف زيف الخونة في كل عصر.
رمضان مبارك عليكم وانتظرونا في الحكاية القادمة....
حكاية العقل المدبر الذي بنى عقول النصر الوزير نظام الملك.





