حكايات الشويخ الحكاية السادسة والعشرون الأخوان بربروس عمالقة البحار الذين أنقذوا الأندلس وحطموا غطرسة أوروبا
القسم الثالث عظماء في التاريخ الإسلامي
بجريدة الأنباء الدولية
بقلم عثمان الشويخ
أهلا بكم في الحكاية السادسة والعشرين من حكايات الشويخ
اليوم سنبحر في التاريخ لنصحح واحدة من أكبر عمليات تزييف الوعي التي قادها الغرب ضد رموزنا فبينما تحاول السينما العالمية تصوير بربروس في صورة قرصان مخيف أو مجرم بحار يخبرنا التاريخ الحقيقي أننا أمام قادة عظام ومجاهدين فدائيين لولاهم لتمت إبادة المسلمين في الأندلس والمغرب العربي عن بكرة أبيهم
لماذا نكتب ونتحدث عن بربروس الآن
لأننا نرى اليوم كيف تمارس الغطرسة الأمريكية الصهيونية على البحار والمضايق وكيف يحاول ترامب وأمثاله فرض هيمنتهم بلغة الترهيب إن قصة الأخوين بربروس هي الرد العملي على أن سيادة البحار هي مفتاح الكرامة وأن القوة التي تكسر غطرسة المستعمر تبدأ من إرادة لا تعرف الانكسار
لم تكن حركة الأخوة بربروس عروج وخير الدين حركة عفوية بل كانت نواة لجيش عقائدي
يذكر خير الدين في مذكراته
لحظة الانطلاق مادام الموت نهاية كل حي فليكن في سبيل الله
هذه الكلمات كانت الوقود الروحي الذي واجهوا به أساطيل أوروبا
النشأة والمأساة من قيود رودس إلى عظمة الميدان
ولد الأخوان عروج وخير الدين في جزيرة ميدللي العثمانية وهما أبناء يعقوب آغا أحد فرسان السباهية الذين استقروا في الجزيرة بعد أن فتحها السلطان العظيم محمد الفاتح نشأ الأخوان في بيت جهاد مع إخوتهم إسحاق وإلياس لم يقتنع عروج بالأسفار القريبة فقرر الانطلاق نحو طرابلس الشام لكن القدر كان يخبئ له اختبارا قاسيا حيث واجه فرسان جزيرة رودس في معركة استشهد فيها أخوه الأصغر إلياس أمام عينيه وأخذ عروج أسيرا مقيدا بالسلاسل في زنزانة تحت الأرض
هنا نرى وجه الخيانة القبيح حين حاول أخوه خضر خضر خير الدين فداءه عبر وسيط يدعى غريغو لكن الأخير غدر به وأبلغ الفرسان مما زاد من تعذيب عروج لكن إرادة الله كانت أقوى فانتهز عروج فرصة عاصفة شديدة وهرب من السفينة سباحة نحو الساحل حيث استضافته عجوز تركية في قريتها
ومن هناك انطلق نحو الإسكندرية ليبدأ رحلته كقبطان محترف بتكليف من السلطان المملوكي قانصوه الغوري ثم الأمير العثماني كركود محولا حياته للدفاع عن ثغور الإسلام
بدأت الرحلة الفعلية من جزيرة جربة حيث اتجهوا إلى تونس عاصمة الدولة الحفصية دخل الأخوان عروج وخير الدين مع يحيى رييس على السلطان الحفصي أبي عبد الله محمد المتوكل وخاطبوه بعقلية الدولة لا القرصنة
نريد أن تتفضل علينا بمكان نحمي فيه سفننا بينما نقوم بالجهاد وسوف نبيع غنائمنا في أسواق تونس فيستفيد المسلمون وتنتعش التجارة كما ندفع لخزينة الدولة ثمن ما نحوز
فوافق السلطان واستقروا في حلق الوادي مدركين استراتيجية الموقع للسيطرة على الحوض الغربي للمتوسط
لم يكن النصر مفروشا بالورود ففي محاولة تحرير بجاية من الإسبان تجلت شجاعة عروج الذي نزل بـ ٥٠ رجلا فقط لاستطلاع الأسوار فأصابته رصاصة أو قذيفة كسرت ذراعه اليسرى هنا ثارت حمية خير الدين الذي هجم بـ ٤٠٠ مقاتل ليحمي ظهر أخيه وقتلوا ٣٠٠ إسباني وأسروا ١٥٠ اضطر البحارة للانسحاب لبتر ذراع عروج لكن هذه الذراع المبتورة أصبحت كابوسا يطارد أوروبا ووساما يثبت أن القائد المسلم يتقدم الصفوف لا يختبئ خلفها
في ميديلي رأى عروج رؤيا صالحة لشيخ ذي لحية بيضاء يبشره قائلا
يا عروج توجه إلى الغرب إن الله قد كتب لك هناك كثيرا من الغزو والعز والشرف فأنفق هو وأخوه نصف أموالهما صدقات وتجهيزا لعشرة مراكب وانطلقا نحو تونس بعد اتفاق مع السلطان الحفصي في حلق الوادي
في الوقت الذي كانت فيه محاكم التفتيش تحرق المسلمين في الأندلس قاد الأخوان رحلات انتحارية وأنقذا أكثر من ٧٠ ألف مسلم ومن شدة حنان عروج عليهم أطلقوا عليه بابا عروج لكن
الغرب حور الاسم إلى بربروس ليصمه بالقرصنة بينما كان هو في الحقيقة أيقونة إنسانية ومن دهاء الأخوين أرسلا هدايا للسلطان العثماني سليم الأول عبر القائد بيري ريس فدعا لهما السلطان قائلا
اللهم بيض وجهي عبديك عروج وخير الدين وسدد رميتهما
وحيث استولى عروج على سفينتين عملاقتين تابعتين للبابا يوليوس الثاني مما جعل اسمه يرتجف له أرجاء القارة العجوز
لم يكن عروج مجرد محارب بل كان رجل دولة بامتياز فقسم مملكته لمقاطعتين
شرقية بقيادة خير الدين وغربية بقيادة عروج تحولت الجزائر لقلعة إسلامية بطلب من أهلها وعلماءها الذين استصدروا فتوى بإباحة دم الخونة المتحالفين مع الإسبان
معركة كدية الصابون ١٥١٩م حين حاول الإسبان بناء قلعة الإمبراطور للإشراف على الجزائر استدرجهم خير الدين بذكاء ثم انقض بـ ٥٠٠ مقاتل محرقا قواربهم وانتهت المعركة بغرق ٤٠٠٠ آلاف واستسلام ٣٠٠٠ آلاف قتلوا قصاصا لمقتل إسحاق أخي خير الدين الأكبر
فتح حصن الصخرة ١٥٢٩م الحصن الذي كان الإسبان يقصفون منه المآذن للتسلية دكه خير الدين لمدة ٢٠ يوما وأعدم قائد مدفعيته الذي قتل المؤذنين وبنى من صخور الحصن كاسر أمواج يربط الميناء مستخدما ٣٠ ألف أسير
وعندما أراد بابا عروج ضم تنس والضرب بيد من حديد على أيدي الخونة استصدر فتوى شرعية تقضي بوجوب قتال من تمالأ مع الإسبان وبايع ملكهم ضد إخوانه ليؤكد أن دماء الخونة هدر وفتح تلمسان بطلب من أهاليها الذين ضاقوا ذرعا بفساد حكامهم الموالين للإسبان ففرض إجراءات أمنية مشددة ليحمي الهوية الإسلامية من الاختراق
استشهاد عروج ملحمة الخرابة والوفاء بالعهد
وكما في كل عصر كان الخونة والعملاء هم الثغرة فبعد حصار دام ٦ أشهر في تلمسان ووسط قتال شوارع مرير حاول عروج الانسحاب ليلا للوصول للساحل بانتظار سفن أخيه لحقت به فرقة إسبانية فحاول شغلهم بإلقاء ماله وأشيائه الثمينة لكنهم استمروا في ملاحقته حتى التجأ إلى خرابة قديمة وقاتل فيها مع رجاله حتى استشهدوا جميعا في عام ١٥١٨م وبحقد دفين قطع الإسبان رأسه وطافوا بها في مدن أوروبا لتظل تلك الرأس رمزا للرجل الذي أذل إمبراطورياتهم ولم ينحن إلا لله
لم ينكسر خير الدين بموت أخيه بل تولى الراية وأصبح بكلربك أمير بلاد الجزائر وقائدا لأساطيل السلطان سليمان القانوني وفي ٢٨ سبتمبر ١٥٣٨م وقعت المعركة التي غيرت وجه التاريخ واجه خير الدين بـ ١٢٢ سفينة تحالفا صليبيا يضم أكثر من ٦٠٠ سفينة بقيادة أندريا دوريا
رفض خير الدين الانحباس في الخليج وخرج للبحر المفتوح بـ راية الحرب وقرع الطبول وبفطنة القائد طارد دوريا الذي حاول التسلل ليلا ليفاجأ الأخير عند الشروق ببربروس يطبق عليه سحق خير الدين الأسطول الصليبي في ٥ ساعات وهرب دوريا مهزوما نفسيا قبل عسكريا وبسط العثمانيون سيطرتهم المطلقة على المتوسط لثلث قرن
وصلت قوة بربروس لدرجة أن الملك الفرنسي فرانسوا الأول أخلى مدينة طولون لتكون قاعدة شتاء للأسطول العثماني ١٥٤٣م رحل خير الدين الغازي بعد أن كسر أوهام شارلكان وجعل المتوسط بحيرة عثمانية خالصة إن دروس بربروس تقول لنا إن القوة الحقيقية ليست في ضخامة الأساطيل كما يتباهى رومانوس قديما أو ترامب حديثا بل في القيادة التي تلتحم بشعوبها وفي الإيمان الذي يرى الموت في سبيل الله خير مقام
لقد حمى هؤلاء الأبطال شمال إفريقيا من مصير الأندلس وتركوا لنا تاريخا يدرس في العزة لا في الاستجداء من الغرب
لم ينكسر خير الدين بموت أخيه بل تولى الراية واصبح قائدا لأساطيل السلطان سليمان القانوني
وتوج جهاده في معركة بروزة ١٥٣٨م حيث حطم التحالف الصليبي في وقت قياسي ليسيطر المسلمون على البحر المتوسط لقرون في درس بليغ لكل من يظن أن كثرة السلاح والعتاد كما يتباهى ترامب اليوم والتحالف الصهيوني تضمن النصر
رسالة الحكاية والخاتمة
إن بربروس لم يكن قرصانا بل كان وزيرا للدفاع وصانعا للأساطيل إن تشويه هذه الرموز في أفلام القراصنة هو جزء من مشروع تزييف الوعي ليخجل أبناؤنا من أبطالهم إن رسالتي هي استنفار للهمم ليعلم أبناؤنا أنهم أحفاد عمالقة لم يحنوا جبهاتهم إلا لله إن الأمة التي تسيطر على البحار وتطهر صفوفها من الخونة هي أمة لا يمكن لغطرسة ترامب أو الصهاينة أن تنال من شموخها
رمضان مبارك عليكم وانتظرونا في الحكاية القادمة من حكايات الشويخ





